اليوم الإثنين 23 يوليو 2018 - 5:35 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 26 ديسمبر 2017 - 9:58 مساءً

جسور من الأوراق.

بتاريخ 26 ديسمبر, 2017 | قراءة

1511011593770

ميدلت بريس – بقلمعدي الراضي

زمهرير الشتاء يشبه حدة القيظ في شوارع هذه المدينة الغريبة الأطوار.تاريخ مجيد وحاضر مفعم بالآهات والمواجع.الخوف سيد الموقف والفزع يملأ الأزقة والدروب.انقرضت الحيوانات المفترسة في نجود غيضتنا.وغدا الإنسان وحش نفسه.حارتنا برك آسنة .تجمع بين الأفاعي والضفادع.اختلط الفحيح بالنقيق.وتفوقت الأقراح على الأفراح؛وتلونت الوجود بحموم الأقداح. وغيوم الألم تكسو سماء المدينة.وأمطار الكآبة تنهمر وابلا من الأوجاع. الشوارع خالية من المارة. ورواد المقهى قليلون .من إذاعة جهوية تنبعث  أنغام موسيقية حزينة .تشبه شحوب وجه المدينة مثل أوراق التين زمن الخريف.

النادل النحيل يظهر ابتسامة مصطنعة في وجه الزبائن.وسحنات المحيى تخفي حزينا عميقا.

-أهلا أستاذ.كيف الحال؟البرد قارس.من الأحسن الجلوس بالداخل.

-لا شكرا.الارتعاش بردا أفضل بكثير من الاختناق بروائح السجائر. في الفضاء الخارجي نستنشق بعض الهواء النقي.لان القار يخفف من حدتها.

وضع النادل الفنجان .بصحتك أستاذ.

-شكرا.

أوراق بيضاء مبعثرة على الطاولة.والقلم بين أنامل مرتعشة.

-بأي لفظة أفض عذرية الصفحة.بأي كلمة أدشن مشروعي في ميدان الأوراق.

-أبحث عن حبر أحمر.أريد تدوين قصتها بأحمر الشفاه.اللون أكثر تعبيرا من الكلمة .والرمز أفصح من  العبارة.

-أغنية قديمة لماجدة الرومي.”المطر الأسود في عيني”مثل سهم انطلق بقوة من المذياع ليخترق الذاكرة.شطرها  نصفان مثل حبة بصل في مطبخ زوجة حاذقة.وانساب نهر  الذكريات في حقول الذات كفيض غامر.

لماذا نعود دائما إلى الماضي.ونعتبره أزهى أيامنا؟

-إن عقدة الخوف من المستقبل المجهول المعالم.والعجز  عن تسيير الحاضر.ومراوغة تحدياته الكثيرة.تجعلنا نعود إلى الماضي لنحطم على جداره العتيقة انكساراتنا اللامتناهية.

-ارتشفت من فنجان عشقها قهوة الأمل.وفي زهرة الصبابة نفحت رحيقا من العزيمة.  داخل عنفوان شبابها اكتسبت القدرة على الطيران.أعارت أجنحة النورس محلقا في الفضاء البعيد.عبر ثنايا الأزمان في فضاء المودة.

-أنشد سيمفونية السعادة.وتغريد البهجة على غصن التفاؤل مثل طائر الحسون.ألهو بالحشرات الطائرة كسونونو الربيع. من أشعة المرح استمد نور الحياة.المذيب لجليد الكآبة الغامر لقلوبنا في غفلة الأحلام. الألحان متشابهة .وشدو البلبل في القفص ليس كنظيره فوق الغصن.الأماكن تحدد سلوكنا.والوضعيات تعكس أفكارنا.والأوكار  على الأغصان أحسن من العيش داخل الأقفاص الذهبية.وفقر الحرية لايقارن بالترف داخل أسوار السجون.كم طليق يجوب الأزقة والدروب في معتقل العقائد والأفكار.والسجن لاتجسده الأسوار والأبواب الحديدية.والغريق في كاس مياه؛كسجين في قداسة الأفكار.

قطرة ندى صباحية تزين خدودك الشديدة الحمرة.في مرآة صفائها البراق أرى  وجهك بهيا كوردة البستان.أتأمل قسماتك البشوشة وثغرك الباسم الجميل بدون مساحيق الماكياج. يمنحك  حسنا وبهاء بنكهة العشق وعطر الولهان .لأخفي تجهمي وملامح الحزن المسيطرة  على مهجتي هذا الصباح.

سألتني ذات يوم ببهو كلية العلوم.

-مالفرق بين  العشق والمودة؟

-إنهما ضفتين تفصلها وديان عميقة.وبحور عاتية الأمواج.نجتازها عبر قوارب الإعجاب.وجسور الاحترام.

-ننط بين القمم.عبر السفوح المنحدرة.بدون بواخر وقناطر.لان جاذبية الإعجاب تأخذ الأرواح نحو كهوف المودة .وتلتقي القلوب بتحدي الصعاب.وامتطاء زوارق المغامرة.والعشاق لايؤمنون بالمستحيل.ولعل وصولي إليكِ رغم الحواجز والأسوار؛يؤكد الجاذبية المغناطيسية الكامنة بين العشق والمودة.

على ضفة نهر حبكِ أقف محتارا.أتأمل البرك الصافية.أراقب الضفادع تمارس عشقها علانية. لاتهتم بالمحيط.والعشق فطرة تكبر مع جميع الكائنات.الإنسان يدعي التقنين والعقلنة.وهو أكثر عدوانية ووحشية في أفعال العشق.لهذا يمارسه في الخفاء.البراءة تطبع الأفعال بالعفوية.والغائية تكسوها مساحيق التزييف.والاحترام جسر متين نجتاز عبره الصعاب.ماأحوجنا لقناطر التقدير لصلة الأطراف.والربط بين الضفاف. بجسور مصنوعة من حديد القيم وأسمنت الأخلاق.وعماد الإنسانية ؛عقيدة البشرية.ومبيد العرقيات والعصبيات.والطائفية وقود الحروب وفتيل الصراع.وميدان المعارك والقتال في عالمنا المخبول.

بحثت عنكِ بين نساء الكون.في الأسواق.في الحمامات الشعبية.بين رفوف المكتبات.صعدت الأعالي .ناديتكِ صارخا. رددت الصخور صدى صوتي.لاحياه لمن تنادي. عدت بخيبة أمل.سألت عنكِ  الحارات والدروب. وجميع الأوساط.وأخيرا وجدتكِ زهرة بالبستان.أسقيكِ من مناهل لاينضب خريرها.ومن دلو  بئر المودة نرتوي سويا كل مساء.ومن زلال ينابيع العشق أشفيكِ غليل الأيام.

-حقا أنت غادة استثنائية.أوراق زهرتك لاتذبل رغم حلول الخريف.رحيقك الأخاذ يجذب النحل من كل الأصقاع.ويمنح الحياة الدائمة للجنان.

في زمن الانفعال؛نخطط عبارات حارة مثل العبرات.تغمر بياض الصفحة كالدمعة فوق الخدود. البكاء ليس فقط بالنحيب.بل ننوح في ذروة غمنا بالكلمات.نغرس أحزاننا في تربة الأوراق.لإفراغ رواسب المآسي؛وركام الهموم الكائنة في أعماقنا منذ مجاهل الدهور.

-الأيام تسعدنا وتشقينا.ندفن أوجاعنا تحت تراب النسيان.وتقذفها الذاكرة من تحت الصخور حمما بركانيا تحرق المحيط.

-كلمات العشق تكتب بحبر يطابق ألوان الشوق.

-الانسجام قانون الطبيعة.والفوضى شذوذ .

-الحبر الأسود يزين الأوراق بأشعار الكآبة.

-الحزن يبرز على الملامح أكثر جمالا من عبارات الفرح المنمقة والمخطوطة بلغة النفاق.

-الأقراح الحقيقية أجمل وأحسن تعبيرمن أفراح ملونة بحروف التحريف والتزوير.وثقافة المظاهر.

-نظرة العيون وشكل الابتسامة تعكس كنه الأعماق.

-الغربال لايحجب أشعة الشمس.لكنه يميز بين الصالح والطالح والغث من السمين.

-   القلم يتمرد بين الأنامل.يرفض تسجيل بعض العبارات.لايضحي بدم حبره من أجل التفا هات.

- بحرارة عشقكِ يذوب جليد الجمود فوق قمة الحب.لأريدك لنفسي ولا أغير من وجودك في حياة الآخرين.طلبي الوحيد إضافة اسمي إلى قائمة عشاقكِ الأوفياء. لأمكث خالدا في وجدانك أبد الدهر.

يامعشوقة الأجيال؛أتوسل عشقك.عاشرك العديد وفي جميع الأزمنة.

تحت ضوء الشموع ناشدك الأقدمون.وفي ظل نور السراج هواك الأوائل.في قباب الأضرحة.وحصائر المساجد ضاجعت الحسن اليوسي وأبي سليم العياشي وابن خلدون…. والآخرين.أنتِ امرأة مثالية تمنحين عشاقك الحياة السرمدية.يموتون ليعيشوا   حياة أخرى بين جميع الأجيال.رافقتهم وأنت في الهودج على ظهر العيس من الإبل.ونمت معهم تحت الخيام من الوبر.لتعاشر أقواما من صنف أخر في مدرجات الكليات.في كراسي المقاهي ؛وعربات القاطرات.وأريكة الصالونات الفاخرة.

-أنتِ ريشة في يد عالم خطاط.أنتِ محبرة على طاولة أديب.أنتِ دواة صمغ في يد فقيه ورع ومتصوف زاهد.بماء الذهب والزعفران تبدعين الأفكار وتخلدين تاريخ الأمم والشعوب.

أنت قنطرة الأجيال وجسر بين الحضارات.

-تأخذين عشاقكِ من شط الحياة إلى شط السرمدية بعد الممات.يامانحة الخلود.

-تصنعين بحبرك الفياض ؛من  ينابيع محبرة صمغ لاتنضب جسور من الأوراق تربط بين الأجيال وتصل بين ضفاف الحضارات.رغم أنهار الطائفية؛ وبحار العصبية؛ وشعاب الإثنيات توحدين بين كل أطياف الإنسان.

-ناديتك ِ باسم مجهول وأخر مستعارا.والآن أناديك باللقب الصريح ؛ونسبك النبيل؛واسمكِ المعشوق المحفور بمسامر الحب والمودة على جدار قلب الإنسانية جمعاء.

-أصيح بأعلى الأصوات أنتِ الكتابة القنطرة بين الكاتب والكتاب.موطنك المكتبة ومسكنك ذاكرة الشعوب.وباللغة خلدت الأمم  وجودها .عشقك الفراعنة وأهل بابل وبلاد مابين النهرين.والإغريق والرومان .استعملك الأمازيغ منذ الزمن البعيد.ودونت تاريخ وتراث العرب بلغة أنيقة؛ تشبه جمالك السرمدي الخالد.الذي لاتؤثر فيه طول السنين. تخالفين قوانين الطبيعة ومسارك حياتك ضد مسارها.بدأت بالهرم وتزدادين فتوة كلما طال بك الزمن.

-بالحروف والكلمات تشيدين صرحا  من الفقرات.وعلى وجه الصفحات تنصبين جسور من الأوراق. نمر عبرها من زمن إلى أخرمن حضارة إلى أخرى.ويتم التلاقح لميلاد الجديد ويستمر التاريخ.مثل النحلة تأخذين الرحيق من جميع الأزهار. لتصنعين شهد العسل في خلية الدول. دواء يشفي داء الجهل والأمية داخل المجتمعات.

-أنا أشلاء جثة في سبيل العشق والولهان.رجائي الوحيد أن تلمي أفكاري في كفة من سعف النخيل.أو إبر نبات الدوم.وتخلدين اسمي في ضريح الإبداع بقبة الأخلاق والصيت الحسن.أريد جدثا على دفة الكتاب وبمقبرة المكتبة بين الرفوف.لأموت في جنون عشقك.وفي أحضانك ألتمس طعم الخلود.

حرر بفاس يوم :26/12/2017.

بقلم: عدي الراضي.

أوسمة :