اليوم الثلاثاء 23 يناير 2018 - 6:27 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 9 يناير 2018 - 9:31 مساءً

حوار: مع بائعة هوى.. FEMME DE MAUVAISE VIE

بتاريخ 9 يناير, 2018 | قراءة

images (1)

ميدلت بريس – بقلم: ذ.حميد الشابل

سبع ساعات على متن حافلة تربط بين أكادير، وإحدى مدن الصحراء المغربية. جلست بجانبه شابة فارعة الطول، وغاية في الجمال. بيد أنها كثيرة الكلام والحركات بلباس عصري، وبعينين زائغتين تجول وتصول 360 درجة. تأسف فليس له الحق في تغيير المقعد، تذْكرته مرقّمة، ولأنه مسافر في وقت الذروة. قبل حتى أن تتحرك الحافلة، وإبان جلبة الانطلاق تفحصته بنظرات مكشوفة. وبعد لحظات بادرته بالسؤال: عسكري ولا أستاذ..؟؟ أجابها بتحفظ: معلم…استطردت “بْحال بحال لقد سَمَّوْا الجميع بالأستاذ”. “باينة عليك ماشي سوسي منين البلاد”؟….أجابها: نواحي الأطلس المتوسط، مبتسمة، “هي ولد البلاد”… ندم على تلقائيته الساذجة، فسكت ولم يجبها. بعد دقائق معدودة، تابعت طرح الأسئلة تِباعا: “كِيف عَامْل مع نفحة الطباشير والدراري”؟ بعد تردد أجابها : “مزيان ولفتهوم أولفوني..” استدار نحوها وأنتِ ماذا تفعلين؟ المهنة؟ قهقهت بلطف، و دون خجل ولا تحفظ… أنا أمارس أقدم مهنة وُجدت على سطح هذه البسيطة، عاهرة بلغة الشارع ق…ترجّاها أن لا تُكمل، الأمر واضح، أحس بنوع من الإحراج، وعدّل من جلسته بعد أن إلتفت يُمنة ويُسرة. تمتم مع نفسه، الحمد لله لم ينتبه أحد، الكل غارق في همومه وهاتفه الذكي… مابك أخائف أنت من الناس؟…

قهقهت بصوت مسموع وبعدها دون سابق إنذار، أجهشت بالبكاء…ترجاها أن تضبط أعصابها وقدّم لها كلنكس، ووعدها أن يستمع إليها، ويواسيها بشرط أن تهدأ. اعتذرت وطال السكوت والسكون لأزيد من نصف ساعة، إلا أنها عاودت الكلام: ماذا أقول وبماذا سأبدأ؟ لأزيد من خمس سنوات وأنا على هذه الحال من مدينة لأخرى ومن “باطرونة لباطرونة ومن قْصارى لقْصارى” حتى أفراد أسرتي لا يعلمون مكاني؟ وماذا حل بي؟ وما صنعت بحياتي؟ لا تعتقد أخي- يظهر أنك رجل طيب – أنني اخترت هذا المسار عن طيب خاطر، لقد كنت دائما الأولى في دراستي إلى غاية الثانية ثانوي باكالوريا. حينها ضحك عليّ ذاك” لي ما كيتسمى بغيت ليه العذاب في الدنيا قبل الآخرة”.

لقد كنت صَبِيّة جميلة، تملؤها الحيوية والحشمة والوقار، وليس في ذهني إلا الاجتهاد، والمواظبة للحصول على نتائج مرضية…لكن ذاك الحيوان دمّر حياتي. كان دائما يترصد ويعترض طريقي.. فوعدني بالزواج والسعادة وأن يرسل الوالدة المقهورة إلى الحج. فكان ماكان تزوجنا، وما هي إلا أشهر حتى نعتني “بالبرهوشة لي مكتعرف والو”؟ الويل لكم أيها الرجال تريدون كل شيء. سنان الحليب، الجمال، الدلال، وملء البطون بما لذ وطاب… !! الذئاب البشرية تختار الفريسة بعناية فائقة، يفعلون كل شيء حتى تسقط بين مخالبهم، ينهشون لحمها و عرضها بلا شفقة ولا رحمة، بعدها يرمون بها رمية الكلاب، وينعتونها بأبشع الأوصاف فيبحثون عن ضحية أخرى.

تطلّـقتُ مرتين وأنا دون العشرين. عملت في الحقول والضّيعات وحتى في المنازل، ولكن شياطين الإنس في كل مكان…بعدها “خرجت ليها ديريكت” الحياة يا أخي قاسية والمجتمع لا يرحم…يُطبِّلون ويزمِّرون، عن حقوق المرأة صباح مساء،…نعم للموظفة، للقوية، أما الجاهلة وبلا سند، فليس لها حقوق، كما في بعض مناطق الأطلس ليس لنا بالبث والمطلق حقوق، حتى نصيبنا المشروع فالإرث لا نستطيع المطالبة به وإذا طالبنا به، يستعدينا الجميع…. أما عن زواج القاصرات، الهدر المدرسي، المطلقات، الأشغال الشاقة، ضرب النساء، العنوسة،…حدث ولا حرج.

كانت تتحدث والدموع تنهمر من عينيها دون توقف، تفَهّم الوضع وحاجتها للكلام والفضفضة، وتمنى لها السعادة وتغيير الحال….بيد أنه صارحها في الأخير، أن لا شيء يبرر ما أقدمت عليه، لأنه انتحار بطيء وخاتمته معلومة. عن قصة حقيقية، أمثال ليلى للأسف بالآلاف، ومن مختلف ربوع الوطن. أيديهن ممدودة تنتظر ثرِيا إنسانيا، مُحسنا عطوفا ووطنيا، مؤسسة دولة مهتمة لخلق مشروع اقتصادي ربحي وليس خيري مدروس، ينتشلهن من براثن الفحش والرذيلة، لأنهن ببساطة شريحة اجتماعية من الوطن تحتاج إلى المساعدة، على الأقل البعض منهن. يُتبع

أوسمة :