اليوم الخميس 13 ديسمبر 2018 - 7:02 صباحًا
أخر تحديث : السبت 8 سبتمبر 2018 - 4:12 مساءً

هل يظل الوجدان المغربي عسكريا رغم كل الحرية والحداثة؟؟

بتاريخ 8 سبتمبر, 2018 | قراءة

akki_lahbib04

ميدلت بريس – بقلم الحبيب عكي 

ربما يتذكر الناس،بعض الحملات التحديثية ومشاريعها التغريبية في المجتمع،بسم العصرنة والحداثة،وعلى رأسها مشروع الأسرة النووية المكونة فقط من الزوجين وابن واحد لهما أو اثنين لا يتعديانهما،هذا حتى يتمكن هاذين الأبوين بزعمهم من تربية أبنائهما أفضل تربية مفعومة بالحب والحنان،واعتماد أسلوب شيق من الحوار والإقناع والحرية والحقوق في امتثال التعليمات أو رفضها،و ربما يتذكر الناس أيضا أن العديد من هذه الأسر قد فشلت في تربيتها لأبنائها،فانمحت فيها الأبوة والمسؤولية ومسخت فيها البنوة والاستقامة،لا بسم شيء إلا بسم هذا المنهج التربوي الحداثي المنحل؟؟،على عكس العديد من الأسر الأخرى التي اختارت نموذج الأسرة الممتدة بتعدد أبنائها وتعدد المتدخلين التربويين فيها واعتماد جلهم أسلوب شيء من الحزم والصرامة في تربيتها،مع إدراكهم التام لما بين الحزم والقسوة والقهر والعنف والترهيب،أسلوب يعتمد الدفء العائلي ولو كان مسكن أهله في “الكاريان”،وأسلوب رد الرمق بكسرة خبز يابس وكأس شاي مر،في المنزل وفي الوقت ومع الجماعة،وصفعة موجعة على خد كل رافض متأفف،فكان التوفيق والنجاح حليفها وتخرج من أعشاشها أبناء وبنات صالحين عاملين ناجحين مستقرين، كانوا هم العماد الأكبر بعد الله في تحسين أحوال تلك الأسر و تطوير أوضاع تلك البلدان؟؟.

 

ولقد ظل هاذين النموذجين التربويين في تواجد وصراع دائم و مغالبة محمومة،في الأسر والمدارس والجمعيات وغيرها من الفضاءات والمؤسسات،وإن كانت القوانين والتشريعات تنتصر وتدعم في الغالب النموذج العصري الحداثي بل وتدعو إليه وترغمه على الجميع؟؟،ولكن في عمق المربين والمجتمع دائما شيئا من النموذج الأول الذي تربوا عليه وتنعموا بمنتوجه الذي لا يضاهيه منتوج،وإن سماه المسمون بالتقليدي المتخلف والأبوي السلطوي..،فإن ذلك بالنسبة إليهم يظل في إطار الصراع الإيديولوجي لا الحقائق التربوية ولا المنتوج المجتمعي،والنماذج التربوية والاقتصادية والسياسية وغيرها بالنتائج لا بالأوصاف والمسميات؟؟.اكتسح النموذج التربوي الحداثي كل النفوس والعقليات وتمددت يافطاته الدعائية في كل الفضاءات والمؤسسات،الحرية والحوار،الإشراك،واجب التيسير،حق الاختيار،الخروج من جلابيب الآباء و مواكبة العصر التكنولوجي…؟؟،وما هي إلا سنوات  وسنوات حتى ساد رهط الحداثة في المجتمع،ولكن مع الأسف وكأنه مسخ آخر ليس من جنس البشر،ولا هم له إلا أن يذيق ألوان عذابه كل البشر،تعدي على الأصول في البيوت،وعلى الأتراب والمربين في المدارس،وعلى الأغراب في الشوارع،انحراف وإدمان وضعف التربية على المواطنة والتحلي بالسلوك المدني…مما ينذر بتفكك المجتمع وانتشار الجريمة وسيادة الفوضى؟؟،،فما المنقذ،لا منقذ إلا العودة إلى النموذج التربوي الصحيح،النموذج الحضاري الأصيل الذي كان قبل وفود المناهج الوافدة وبقي بعد ركود المناهج الراكدة،لكن كي نزيل عنه نعت التقليد و ما يرتبط  به من سلبية،لا بأس أن نسميه اليوم بالتجنيد الإجباري وهو مدرسة مدارس كل الشعوب؟؟.

 

نعم،ما أن سمع المواطنون والمواطنات بخبر العودة إلى هذا المعين التربوي الثري،حتى فاضت عليهم ذكرياته وأملوا في إصلاحاته،فرحبوا به غاية الترحيب وعلى نطاق واسع،وكأنه المنقذ لهم من انتشار الجريمة وسيادة الفوضى وعدم الاحترام وقلة الوقار،وكأن قلوبهم قد ضاقت بانحرافات الحرية وسوء تطبيقات الحقوق وما أذاقوهم من الفوضى واللامسؤولية؟؟،فهذا شاب يتزعم خلفه جوقة من الشباب المعنيين بالأمر يرحب بالموضوع أشد الترحيب وأمام شاشات الإعلام يصرح و يقول:”نعم،الشباب الذين لا هم لهم إلا التسكع في الشوارع والمكوث في الزوايا والتكايا..وتناول المخدرات و اعتراض سبيل الضحايا الأبرياء…من الأحسن أن يذهبوا إلى التجنيد الإجباري،على الأقل المأكل والمشرب والملبس والمسكن على حساب الدولة،ومولاها ربي”؟؟.و هذه أمهات طالما تعاطفن مع تفاهة بناتهن اليافعات باسم..وباسم..والشابات نظرا..و نظرا..،واليوم يلفظنهن دون شفقة ولا رحمة و هن يصرخن ضدهن ويصرحن:”البنات اليوم ترجلوا و ضسروا بزاف..البنات اللي ما يعجنوا..ما يصبنوا..ما يقراوا..ما يجلسوا في الدار..نهار وما طال وهما غير “مكونيطكين” مع الجنون في القزادر.. الأنترنيت و الفايسبوك و الواتساب..،من الأحسن يمشيوا يا خويا للعسكر يعاود لهم الترابي..راه ولاوا في الحقيقة حالة ما تفرح غير العديان”؟؟.

 

آباء وأمهات يدفعون بأبنائهم وبناتهم إلى العسكر،وكأنه هناك سيجدون عملا مفقودا،أو زواجا منتظرا،ولو رأيت لوجدت الجميع يتمنى أن يحذو حذوهم و يكون العسكر له منقذا،فهذا الأستاذ الذي يعاني في ممارسة عمله من شغب تلاميذه الذي لا يطاق،يتمنى لو يسمحون له فيهم بالنظام العسكري،أو يذهبون بهم حتى إلى غابة الأمازون وجها لوجه مع الزواحف والضواري في الصحاري والبراري؟؟،وهؤلاء المواطنون الذين يظلون دائمي الشكوى من الموظفين ويعتبرونهم سبب كل محنهم الإدارية،يتمنون لو أن كل الإدارات عادت ثكنات عسكرية،كل تقصير فيها بما هي وما لونها من العقوبات والتأديبات؟؟.وهؤلاء..وهؤلاء..،و ربما نسي أو تناسى الجميع أن هذا التجنيد الإجباري في الحقيقة حابل بالأسئلة الحارقة،لعل أولها،سؤال الإجباري والاختياري في المنظومة التربوية والتأهيلية،هل سنعدل عن الحوامل التربوية للحرية والحقوق التي طالما تبجحنا بها واعتبرناها كسبا تربويا غير مسبوق ومعينا بيداغوجيا لا ينضب؟؟، وإذا كان الضبط والتأديب ضروريان لتوازن تربية النشء،فهل سنعزز جرعتهما في الفضاءات والمؤسسات التربوية،وكيف؟؟،ثم هناك سؤال آخر وهو سؤال الهدر المدرسي والتكوين المهني،هل سيساهم التجنيد الإجباري في محاربة الهدر المدرسي أم سيشجعه أكثر؟، وأيهما سيجلب المهدورين أكثر، التكوين المهني أم التجنيد الإجباري الذي سيكون في انتظار الجميع من هدر ومن لم يهدر؟؟.

 

إذا كان التجنيد الإجباري في جوهره هو مشروع للتربية على القيم والمواطنة والسلوك المدني،والاعتماد على النفس واحترام الآخر والنظام والانضباط،والشعور بالانتماء ونبذ التطرف والإرهاب..فما حظ “المشرملين” فيه،بل هل هم معنيون به أصلا أم لا؟؟،ولماذا كان ينجح كل هذا عند الآخرين فقط من مجرد البيت والمدرسة ويفشل عندنا؟؟،وإذا كان مشروعا لتعلم المهارات والتقنيات وثقافة الجندية وفن الاندماج الاجتماعي والتنافس الشريف على الوظائف والمبادرة واحترام القانون والملك العمومي..،فلماذا كان كل هذا ينجح عند الآخرين من مجرد العمل المدني التطوعي والتأطير السياسي ويفشل عندنا؟؟،وإذا كان مشروعا لإحكام المساواة بين الذكور والإناث وهو مشروع ضروري ومن تحديات العصر ورهانات التنمية،أو كان مشروعا لبناء جيل جديد من الثكنات العسكرية وتأهيل الموجود منها بكل المستلزمات على حساب المشروع؟،ولكن هل كان سيمر كل هذا بالضرورة على تجنيد الجنسين وتعريضهما لغير اللازم من الاختلاط والمجون والتسفير القسري بسم الحداثة والمساواة المزعومة؟،ماذا يقول المربون والعسكريون فيما كانت تقوم به الإناث من مساعدة إدارية وخدمات اجتماعية من تطبيب ورعاية وتعليم ومحو الأمية مقابل تجنيد الذكور،هل أصبحت متجاوزة ولم يعد ينتفع بها اليوم أحد،أم هي موضة العسكرة ولابد فيها لعنترة من عيون عبلة؟؟.

 

وأخيرا،إذا كان هذا التجنيد الإجباري مشروعا حقيقيا لتوسيع القاعدة الاحتياطية للقوات المسلحة تحسبا لطوارىء جيوستراتيجية لا يبدو في الساحة ما يبعث على القلق بشأنها،فعساكرنا والحمد لله قد عافانا الله وإياهم من الحروب الأهلية والعسكرية،وتوجهنا جميعا إلى معركة التنمية المستدامة،فأبدعوا في ذلك وإيانا غاية الإبداع، بإسعافات مدنية عند الفياضانات والكوارث الوطنية،ومستشفيات شتوية متنقلة وصل خيرها وتضامنها إلى بعض الدول الشقيقة والصديقة،و…و…؟؟،ولكن يبقى من الملاحظ أن العديد من الشباب المقبل على التجنيد الاختياري لا يجد له مكانا فيه ولا سبط قدم،ولا زال العديد من الشباب الذين طلبوا التجنيد الاختياري ورغبوا فيه وحلموا بمستقبلهم في أحدى ثكناته البرية و مدارسه البحرية وقواعده الجوية،،لا بل وتقدموا إلى حملاتها آملين فيها بالمرور،بل وحتى اجتيازوا مبارياتها بعدما لم تنصفهم حملاتها،هؤلاء لا زالوا يتذكرون ويحكون عن متاهتهم حكايات مرارتهم وكيف كانوا في ذلك عرضة للوساطة والابتزاز الشنيع دون جدوى،ليبقى السؤال جادا وملحا،هل سننجح في التجنيد الإجباري وقد فشلنا في التجنيد الاختياري..نرجو ذلك؟؟.

الحبيب عكي.  

أوسمة :