اليوم الخميس 27 يونيو 2019 - 12:16 مساءً
أخر تحديث : السبت 8 يونيو 2019 - 9:34 مساءً

رحلة شتاء وصيف

بتاريخ 8 يونيو, 2019 | قراءة

الفصل الاول

الساعة تشير الى السابعة و النصف مساء،. دقات الساعة المتكررة برتابة تملأ المكان وتكسر جليد الصمت بينهما. كان الجو باردا في ذلك اليوم الشتوي. ومن نافذة الغرفة التي كانا يجلسان فيها كانت تلوح أضواء المدينة تتخللها حبات مطر خفيف. ستائر النافذة تتراقص تحت ايقاع نسائم شتوية باردة.
كان هو يقبع في زاوية الغرفة واضعا ساقا على ساق وبيده جريدة كان يقرؤها ويداري بها وجهه. ومن حين لأخر كان يختلس النظر إليها بحرج فتصطدم عيناه من خلف زجاج نظارتيه بذلك الوجه الذي لم تغير فيه السنون شيئا وكأنه هرم فرعوني. كانت هي تطرز منديلا كانت قد بدأته ثم أهملته لتحمله في ذلك اليوم من جديد، مقبلة عليه في نهم.
مرت ساعة ثم ساعتان، تسرب الملل إلى داخله بعدما استنفذ كل محتويات الجريدة، ثم وقف فجأة ينظر حوله كمن يبحث عن شيء يعلم أنه لن يجده. رمقها بنظرات باهتة، ألقى بالجريدة بقوة أمامها، فرفعت نظرها إليه في هدوء و تؤدة لتلتقي نظراتهما في منتصف الطريق. تنهد بعمق ثم تركها وخرج مقفلا وراءه الباب بقوة.
مشى في أزقة الحارة القديمة بخطى حثيثة كأنه يهرب من شيء مجهول يلاحقه أينما حل و ارتحل . وفجأة وتحت أضواء الزقاق الخافتة أبطأ الخطو فسرحت به الذاكرة بعيدا إلى ماض سحيق.
كان صبيا خجولا كباقي أطفال القرية، وكان كلما خرج من المدرسة ألقى بمحفظته في فناء المنزل ثم حمل بين يديه المتسختين ببقع المداد قطعة خبز تشبه افريقيا وأطلق ساقيه للريح وهو يلوكها. قاصدا جدول الماء الذي كانت تحيط به حقول الذرة و أشجار الصفصاف.
كان ذلك المكان فردوسه الذي لا ينفك يبرحه حتى يعود إليه.
لازال يذكر ذلك اليوم الذي كان يلهو فيه بزورقه الورقي في الجدول الصغير وكيف ان التيار جرف الزورق فلحق به مسرعا، فلما أدركه وجده بين يدي صبية في مثل سنه، انتظم شعرها في ظفيرتين طويلتين، تعلو وجهها حمرة مختلطة ببياض. كانت منخرطة في غسل كومة من الثياب وقد ابتل وجهها بالعرق ونصف ثيابها بماء الجدول.
خاضت الجدول بقدمين حافيتين وقد فاجأها الزورق الورقي الذي كان يعبر من أمامها فأمسكت به. أخذ هو ينظر إليها على استحياء، أراد بقوة أن يطالبها بزورقه، لكن خجله حال بينه وبين مراده. لتبادره هي بالسؤال: “هل هو لك؟”
أجابها متلعثما وعيناه إلى الأرض:” نـ….نـ….عم إنه لي
فأردفت هي:”خذه إذن “
يتبع……

أوسمة :
error: Content is protected !!