اليوم الإثنين 14 أكتوبر 2019 - 9:14 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 14 يونيو 2019 - 8:01 صباحًا

رحلة شتاء وصيف

بتاريخ 12 يونيو, 2019 | قراءة

حسن كموس الفصل الثاني

أجابها وفرائصه ترتعد”لا أستطيع…. أ…. أ…. تركيه بجانب الجدول و سوف آخذه”. ضحكت منه ملء شدقيها ثم سألته باستهزاء فيه شيء من التعالي” هل تخاف أن آكلك؟ ” استجمع ما لديه من جرأة ليدرأ عنه ذلك الإحساس المقيت بالخجل الذي يقف شوكة في حلقه ويبعثر الكلمات من على لسانه فبادرها بالسؤال:” وهل تأكلين الناس أنت؟ “
فبرقت عيناه منتظرا ما سيكون ردها على عنتريته هاته، لكن نظرتها الساخرة لم تزده إلا خزيا وإحساسا مقيتا بالصَّغار. لم يقوَ المسكين على مجاراتها في التحديق في عينيه فطأطأ رأسه منهزما فزادته في سادية طفولية:”ربما ستكون أول من أبدأ به إن لم تأخذ زورقك وتنصرف حالا”.
دون جدال تقدم نحوها في خطوات مرتبكة وهو ينظر حوله لئلا يراه أحد، خصوصا أن أبوه ينهاه عن مرافقة الفتيات أو التحدث إليهن بمقولته الأثيرة :” الرجل رجل يا بني والمرأة امرأة، ولا يجوز للرجل أن يجالس النساء وإلا فإنه صعلوك سيء الخلق”.
لم يعد يفصل بينه وبين الفتاة سوى الجدول الصغير. مدت له الزورق، حاول هو التقاطه لكنه لم يصل، فقال لها:” اقتربي أكثر لا أستطيع الوصول”، صرخت في وجهه بخبث:”يالك من ولد عديم المروءة! أنت الرجل يجب أن تبذل جهدا أكبر للوصول إلى زورقك، فيداي قصيرتان” أيقظت كلماتها فيه شيئا من نخوة فمال بجسده نحو يديها مجاهدا ألا تزل قدماه في الجدول خاصة أن أمه تسمح له باللعب قرب الجدول شريطة ألا يبلل ثيابه تظاهرت هي بأنها تبذل ما في وسعها لتمد له الزورق، فلما حاول الإمساك بزورقه سحبت هي يدها في دهاء ليسقط صديقنا في الجدول وابتلت ثيابه كلها.
انخرطت هي في ضحك هيستيري حتى دمعت عيناها. امتلأ قلبه المكسور بالحقد والغضب، فاعتدل واقفا في حزم ليوقف ضحكها، لكنها كلما نظرت إليه زاد ضحكها بل تحول إلى قهقهات شريرة ، كيف لا وقد استحال وجهه بنيا من كثرة الطين الذي لطخ وجهه و اعتلى رأسه إكليل من الطحالب الخضراء فبدا وكأنه شجرة نبتت لتوها وسط الجدول.
تركها وركض صوب منزله في غضب وقهقهاتها تلاحقه كرنين أجراس تلك الكنيسة العتيقة الرابضة قرب مركز الشرطة…..

هاهي مقهى عمي عدي بضوضائها تلوح من بعيد كواحة نور وسط أضواء الزقاق الباهتة…. أصوات الزبناء من الصعاليك و المتشردين وماسحي الأحذية وغيرهم من بسطاء الحال وصغار الموظفين ترتفع شيئا فشيئا كلما دنا من المقهى، لازال ذهنه شاردا في غياهب الماضي السحيق… ضحكتها لازالت ترن في مسامعه.
ها قد وصل عتبة المقهى. بنعيسى، أحد ماسحي الأحذية ارتمى على قدميه ليلمع حذاءه دون استئذان…. هكذا دأب ماسحو الأحذية الإنقضاض على أحذية سكان الحارة كلما رأوا حذاء أحدهم مغبرا، فارضين خدماتهم بالحاح. وقد ينفحهم البعض بدرهم أو نصفه، كما قد يركلهم البعض ويمطرهم بوابل من الشتائم.
يتبع

أوسمة :
error: Content is protected !!