اليوم الإثنين 14 أكتوبر 2019 - 8:58 مساءً
أخر تحديث : الثلاثاء 21 أكتوبر 2014 - 5:05 مساءً

في رحلة الموت إلى “أنمزي”..القرية التي تحتضر بين جبال ميدلت

بتاريخ 21 أكتوبر, 2014 | قراءة

في رحلة الموت إلى "أنمزي"..القرية التي تحتضر بين جبال ميدلت

فلاش بريس – مريم بوزعشان

المكان أنمزي، الزمن خارج التاريخ. قرية منسية تابعة لجماعة أنمزي تبعد عن إملشيل بـتسعين كيلومترا على امتداد جبال وعرة ومسالك ملتوية فوق أعلى قمة في الجبل. سكانها لا يتعدون 1500 نسمة، تحاذيها قرية تغدوين وتمالوت ترغيست أنفكو.

مركز صحي مهجور تزوره من وقت لآخر ممرضة، إن استدعت الضرورة. لا قسم للمستعجلات هنا. الهجرة القروية طاغية بقوة وفيضانات الوديان تحصد كل ما زرعه القرويون.

مدرسة تضم ثلاثة أقسام تبعد عن مركز القرية بكيلومترات. كل من نالت شهادة الابتدائي فيها من الإناث تزوج لعدم وجود إعدادية يتابعن فيها تعليمهن في القرية، والبعض الآخر يلتحق بتونفيت حيث توجد إعدادية وثانوية داخلية.

الماء الصالح للشرب تعوضه الوديان والعيون، وشبكة الهاتف لا تعمل إلا في ساعات معدودة في اليوم. مرحبا بكم في هذه المدينة حيث الزمن توقف منذ قرون.

الرحلة من إملشيل إلى أنمزي تكاد تكون شبيهة برحلة الموت. تصل إلى هناك بعد قطع مسافة تسعين كيلومترا عبر الجبال الوعرة جدا والمسالك الملتوية والمنعرجات الخطيرة والمنزلقات التي لا يمر منها سائق النقل المزدوج إلا بعد تصببه عرقا وذكر الشهادة وتهييئ الركاب نفسيا إلى موت قريب يظهر مع كل منعرج.

بعد الوصول إلى أنمزي تبين أن الموت الذي واجهناه في الطريق لا يضاهي في شيء الموت الذي يتجول داخل هذه القرية الميتة منذ قرون…

تعرفون المزيد عن هذه القرية المنسية والتي اضطر الفقر بعض أهلها للجوء إلى الجنس والمخدرات، وكيف أنهم "ممنوعون من المرض"، في تحقيق ينشر بجريدة "الأخبار" عدد يوم غد.

الرحلة من إملشيل إلى أنمزي تكاد تكون شبيهة برحلة الموت. وصلت «الأخبار» إلى أنمزي بعد قطع مسافة تسعين كيلومترا عبر الجبال الوعرة جدا والمسالك الملتوية والمنعرجات الخطيرة والمنزلقات التي لا يمر منها سائق النقل المزدوج إلا بعد تصببه عرقا وذكر الشهادة وتهييئ الركاب نفسيا إلى موت قريب يظهر مع كل منعرج. كان الحل الوحيد للخروج من حالة الخوف ونحن نواجه حتفنا الأخير هو الغناء. على امتداد الساعتين غنى جميع ركاب حافلة النقل الصغيرة بالأمازيغية وصفقوا بالأيدي، ليس فرحا بأصواتهم المبحوحة بالخوف أو نشوة بالغناء في حد ذاته، وإنما تمردا على الموت. وصلنا إلى أنمزي فتبين أن الموت الذي واجهناه في الطريق لا يضاهي في شيء الموت الذي يتجول داخل هذه القرية الميتة منذ قرون.. كيف ذلك؟ إليكم التفاصيل.

هنا أنمزي
قرية نائية لا تشبه قرية أخرى. لا تشبه نفسها حتى. الناس اجتمعوا فيها بالصدفة، ولن يستمروا طويلا. حالاتهم الصحية تبشر بموت قريب. يعيشون وسط «خيم» تجثم عليها كآبة مريبة. بجانب «الخيم» يلعب أطفال في ترع تكلست فيها بقايا الشتاء، فيما يجلس عجائز القرفصاء بسحن متعبة. سكان القرية ألسنتهم مخرسة ولا تنطق إلا بمسميات ما فطروا على تداولها بينهم بالأمازيغية. يمشون شبه حفاة منتعلين الصبر لجلب ماء يروون به عطشا أضمرته سنوات عجاف مضت. لا وجود هنا لأخبار الساسة. لا وجود لرئيس حكومة اسمه بنكيران. لا علم لهم بالحكومة الأولى ولا بنسختها المعدلة… وحده الفقر سيد الموقف.. إنها أنمزي قرية توقف فيها الزمن فأضحت شبيهة بمقبرة خالية أو لوحة من أسطورة الجحيم. مظهر السكان كان يبدو محزنا عند وصولنا إلى القرية. مجموعات من الأطفال تتطلع إلينا باستغراب. شيء من الفرح كان باديا عليهم لكن حالتهم البئيسة كانت تمنعهم من الابتسامة. كيف يضحكون وبعضهم رغم تفوقه في الدراسة خرج من المدرسة وذهب لرعي الغنم في أعماق الجبال لا يعود إلا كل أسبوع، يتساءل مجان حماد، فاعل جمعوي بقرية أنمزي باستنكار، قبل أن يضيف قائلا «لاوجود لأبسط الحقوق بهذه القرية. لاوجود للماء الصالح للشرب. الطريق صعبة جدا والمرتفعات والمنحدرات خطيرة تملأها الثلوج في فصل الشتاء فتنقطع الطريق بشهور بهذه المناطق». قرية أنمزي تحاذيها 7 دواوير أخرى هي الأخرى غارقة في الفقر من بينها أنفكو آيت مرزوك تمانوت، تغدوين ترغيست أغدو. مجان حماد يقول إن كل هذه الدواوير غارقة في الفقر وتكاد تتشابه في ما بينها إلى حد التماهي. نفس الاحتياجات والمطالب. نقاط ضعف واحدة ومعاناة تتشابه.
كل من تحدثت إليه «الأخبار» داخل  قرية أنمزي يرجع سبب الهشاشة التي توجد عليها دواويرهم إلى عدم وجود فرص عمل مدرة للدخل، اللهم العمل في الحقول ورعي الغنم في الجبال وجلب الكلأ والعشب والحطب من أعالي القمم، ما يدفع الرجال إلى الهجرة نحو الدار البيضاء وتطوان وطنجة طمعا في إيجاد فرصة عمل يغيرون بها ظروفهم المعيشية. يتركون زوجاتهم وأطفالهم فارين إلى المدن، فيما يبقى آخرون يحصدون الأراضي التي تبقى دائما تحت رحمة فيضان النهر «غي كتهبط قطرة، أو كضرب الرعدة في الصيف أو لا الشتا، كيهجم الواد على الأراضي ديالنا وكيدي لينا كاع لمحصول أو نبقاو كالسين كنشوفو ما بيدينا منديرو».

الجماعة خارج التغطية
قساوة الطبيعة والمناخ تزيد من معاناة سكان دوار أنمزي. فصل الشتاء لا يختلف كثيرا عن فصل الصيف. نفس المناخ تقريبا. تساقطات مطرية غزيرة ورعد وبرق مع كل مساء، ونهر يأتي على الأخضر واليابس بالقرية، «مشا لينا كاع لمحصول ديالنا. بطاطا مشات أو ضعنا فكاع هداكشي لي زرعناه»، يقول أحد الفلاحين الساكنين بدوار أنمزي، قبل أن يردف مشيرا بأصبعه إلى الفدادين التي غطتها مياه الواد، «قضا علينا هاد الواد وشردنا أو سنين هادي أو مبغاوش يلقاو ليه حل». الحل الذي كان يقصده الفلاح حسب مجان حماد هو تشييد براج أو سد يحميهم من الفيضانات المذكورة، وإلى حدود كتابة هذه السطور لازال سكان القرية يتساءلون عن السبب وراء عدم تأسيس السد المذكور. سؤال نقلته «الأخبار» إلى رئيس جماعة أنمزي لكنها لم تتلق أي جواب عنه بسبب ظروف قاهرة منعت رئيس الجماعة المذكور  من الحضور إلى الجماعة للقاء موفدة الجريدة إلى أنمزي.
مشاكل الفيضانات التي ترهق كاهل الساكنة ليست وحدها الأسئلة المطروحة والتي لم تتلق عليها جوابا من المسؤولين، وإنما هناك أسئلة أخرى عديدة من بينها التعليم. مدرسة واحدة بقرية أنمزي لأكثر من 300 طفل بعضهم فضل الهدر المدرسي على إتمام الدراسة في قسم يضم 40 طفلا، والآخرون أتمموا دراستهم إلى غاية حصولهم على شهادة الابتدائي لكنهم لم يتمكنوا من إتمام دراستهم بفعل الظروف.
الظروف التي يتحدث عليها التلاميذ الذين حاورتهم «الأخبار»، تتجلى في كون قرية أنمزي لا تضم أي إعدادية أو ثانوية، وبالتالي يجب على كل التلاميذ الذين نالوا شهادة الابتدائي الانتقال إلى تونفيت، هناك حيث توجد مؤسسة داخلية تضم إعدادية وثانوية يعيش فيها التلاميذ طيلة السنوات الدراسية.

جنس ومخدرات
الحل الوحيد للخروج من الفقر والجوع والتهميش هو تعليم الأطفال ومحو الأمية، لكن المشكل، هو عدم وجود إعداديات وثانويات بالقرية وبالتالي الانتقال إلى قرية أخرى ومكان آخر يكون مصدر تخوف معظم الآباء، فيفضلون منع أبنائهم من إتمام دراستهم والدفع بهم إلى الرعي في الجبال لأسابيع على الالتحاق بتونفيت. السبب حسب الفاعل الجمعوي نفسه وهو المخاطب الوحيد الذي يتحدث باللغة العربية، والذي يستطيع أن يسرد لنا معاناة السكان بقرية أنمزي، هو التخوف مما يحدث داخل الداخلية.
تبقى الأسر التي لا حول لها ولا قوة حائرة بين دفع أبنائها إلى تحصيل العلم بقرى أخرى وتحصيل عادات أخرى قد تكون سيئة في غالب الأحيان، وبين تركهم أمام أعينهم يرعون الغنم في الجبال، أما الفتيات فنهايتهن المعتادة تكون هي الزواج، حيث تطلق الفتاة بعد ذلك بمدة وتعود إلى بيت أهلها تطبخ وتجلب المياه من الواد وتحش الحشائش فتطعمها للبقر.

سكان «ممنوعون من المرض»
التركيبة الديمغرافية للقبيلة تتكون من عروق مختلفة، من قبيل ايت الصغير ايت اوسو ايت محمد اخرازن ايت هلال ايت واعراب. أمغار هو حامي القبيلة  التي تأسست عهد السيبة. قيادة أنمزي توجد بقرية أكوديم وتبعد بـ 12 كيلومترا عن القرية. المعضلة الكبيرة التي يعاني منها السكان بهذه المنطقة هي عدم وجود مركز صحي يحميهم من المرض، وكأن سكان أنمزي ممنوعون من المرض يقول الفاعل الجمعوي بسخرية لا تكاد تخلو من الجد، ليضيف قائلا «العديد من النسوة الحوامل يودعن الحياة سنويا وهن في الطريق إلى تونفيت حيث يوجد المستشفى أو في الطريق إلى الراشيدية أو مكناس». عدم وجود مركز صحي في أنمزي يجعل السكان لا يعرفون معنى المرض، فرغم إصابتهم بالعديد من الأوبئة والأمراض وشعورهم بالآلام والأوجاع لكنهم لا يتوجهون إلى المركز الصحي بتونفيت البعيد عنهم بخمسين كيلومترا، «ولفنا لوجع الله هما المرض او تخسر لفلوس حتى لتونفيت او متلقاش الطبيب» تقول فتاة قاصر باللهجة الأمازيغية بسخرية مريرة، قبل أن تضيف «أنها حاولت في مرات عديدة أن تجرب خدمات المستشفى بتونفيت غير أنها توصلت إلا أن سكان قرية أنمزي ممنوعون من الاستفادة من الخدمات الصحية. وتحكي بأنها ذات صباح بعد ليلة من ألم الأسنان، ركبت صباحا النقل المزدوج واتجهت إلى تونفيت، وعند وصولها إلى المستشفى قال لها رجل الأمن الخاص إن الطبيب في عطلة ولا أحد موجود هنا، عادت الفتاة المطلقة أدراجها إلى قريتها كاتمة الغضب بداخلها والإحساس بـ«الحكرة» وإهانة الكرامة. يقول الفاعل الجمعوي إن الحالات المستعجلة يتم نقلها في الغالب إلى ميدلت في سيارة إسعاف منحتها لهم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تكون في الغالب لدى مسؤول في الجماعة، ينادي عليه مرشح ويشرح له أسباب الاحتياج، فيرسلها لهم بعدما يتأكد من خلال بعض الأسئلة أن الحالة خطيرة وأنها لا تستحمل الذهاب إلى المستشفى في سيارة خفيفة.

طريق مقطوعة
الذهاب من أنمزي إلى قرية مجاورة، لا يمكن إلا في أوقات محددة. لا وجود لعربات نقل في أنمزي أو شاحنات أو أي وسيلة نقل أخرى، اللهم بعض عربات النقل المزدوج الذي يطلق عليها سكان القرية «طرونزيت». وحتى هذه الأخيرة غير موجودة إلا في أوقات بعينها في الغالب تكون في الصباح الباكر جدا وبعد الزوال ثم أخرى مساء. تنقل هذه العربة المذكورة حوالي 20 مسافرا في حين أن السائق يؤمّن على أقل من هذا العدد. تجاوز عدد الركاب المسموح به يشجعهم على ارتكابه عدم مراقبة الطريق من طرف المسؤولين، فلا وجود لأي دركي  أو مركز للدرك الملكي على طول الطريق المتجهة من املشيل إلى أنمزي. «السيبة» هي المصطلح الذي يمكنه أن نطلقه على ما يعيشه السكان بمنطقة أنمزي والقرى المتفرعة عنها.

g
أوسمة :
error: Content is protected !!