اليوم الأربعاء 11 ديسمبر 2019 - 10:55 مساءً
أخر تحديث : الأحد 6 أكتوبر 2019 - 12:46 مساءً

النموذج التنموي الجديد: توترات في تراتبية الفاعلين

بتاريخ 6 أكتوبر, 2019 | قراءة

ميدلت بريس – يوسف وقسو

شكلت الدعوة الملكية في الآونة الاخيرة الى تجديد النموذج التنموي، الذي تبينت محدوديته في عديد القطاعات، مناسبة ملحة لإعادة بعض المواضيع الاساسية داخل الحقل السياسي المغربي  الى واجهة النقاش العمومي، ويبقى أبرزها محور الفاعلين في مجال السياسات كإحدى المداخل الاساسية لفهم الفعل العمومي وتجاذباته المركزية.

مما يستدعي الانتباه إلى أنه داخل خطاطة صناعة القرار ببلادنا، ثمة تراتبية تطبع عمل المتدخلين في مجال هندسة؛ إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، حيث غالبا ما يلجأون إلى نسج تحالفات وشبكات قرارية لتصريف مواقفهم بخصوص سياسة محددة.

حيث أن مجال تدبير السياسات العامة والتفكير في اعادة ضبط مسار الاصلاح بالمغرب، ليس بعيدا عن إشكالية “الفاعلين”، خاصة إشكالية التوتر بين الفاعل السياسي الذي يفترض فيه أنه يعبر عن مسار ديمقراطي معين، والكفاءات التكنوقراطية التي تستند الى كفاءاتها التقنية لممارسة السلطة السياسية والتأثير بالتالي على مسار القرار السياسي ومحدداته.

ولا شك أن متابعة الحياة السياسية والاقتصادية المغربية، تستدعي التنبيه إلى أن القرارات السياسية ذات الطبيعة الاستراتيجية أصبحت تتخذ في “الظل” وبناء على مساطر وتفضيلات جديدة “كالتوافق” و”المساومة”، وهي مساطر نمت على هامش بنيات الشرعية الدستورية لممارسة السلطة  “كالديمقراطية” وبديلا عن احترام التعاقد القانوني الأسمى.

ولعل غياب الانسجام الحكومي؛ صراع الأغلبيات الالية بالبرلمان؛ التراشقات اللامسؤولة للمنابر الحزبية؛ هيمنة الريع الحزبي؛ … وغيرها هي مجموع الممارسات التي شابت يوميات السياسة بالمغرب في عهد الحكومة الحالية، والتي أشرت بالتالي على حجم التراجعات التي أصابت بنيات التمثيل وعدم قدرتها على مجاراة ركب التنمية بكل حمولاته وإشكالاته العالقة.

وأمام هذا العجز البين لفضاءات التمثيل، فإن السياق الراهن سيمهد لبروز وتكثيف مقولة “الكفاءة وخبرة التسيير” كإحدى العناوين المؤطرة للمرحلة الجديدة التي ستقبل عليها المملكة المغربية، عبر فتح المجال لبروز فعلي للهيئات ذات الطبيعة الإدارية والتقنية. حيث أنه إذا كان من الطبيعي أن يشارك هذا الجهاز في هذه الصياغة، فإن حجم ووزن مشاركته يختلف من نظام سياسي لآخر، إلا أن الدور الذي يلعبه عادة في الدول النامية أكبر نسبيا من دوره في الدول المتقدمة.

لقد تم توظيف وعادة توظيف العديد من التقنيات في الحياة السياسية بالمملكة، وكانت تؤدي لا محالة إلى تقوية دور التقنوقراط داخل الدوائر العليا للتدبير العمومي وذلك بمباركة بعض المركزيات الحزبية، ويتعلق الأمر باستمرارية اللجوء إلى تقنية “جلسات العمل الملكية” و”اللجن الملكية الخاصة” عبر استدعاء رجال الإدارة المسؤولين المباشرين أو بعض المستشارين الملكيين على بعض المشاريع والقطاعات العمومية وعدم الاكتراث غالبا بالوزراء والمجموعات البرلمانية والمجتمع المدني. ناهيك عن أن تشغيل هيئات الحكامة كجيل جديد من المؤسسات الوطنية الحاملة لبروفايلات تقنوية، سوف يخلق توترا هيكليا بينها وبين مؤسسات التمثيل على مستوى الممارسة.

الترجمة العملية لكل المعطيات السابقة، سوف تتأكد من خلال التركيز الملكي من خلال خطاب العرش 2019 على ضرورة تدعيم منظومة العمل الحكومي بكفاءات تدبيرية، وكذا دعوته الى تعيين لجنة ذات طبيعة خاصة (تتكون من خبرات وطنية) لصياغة نموذج تنموي جديد، أمام رفض كل الصيغ التي اقترحتها الأحزاب السياسية، في انتظار الدخول السياسي المقبل الذي سيسدل الستار عن الإخراج النهائي لما يمكن تسميته “بالتشغيل الذاتي لدورة النظام”.

أوسمة :
error: Content is protected !!