اليوم الإثنين 10 أغسطس 2020 - 2:03 مساءً
أخر تحديث : الخميس 4 يونيو 2020 - 2:14 مساءً

حين تصدت ميدلت لانتشار “التيفوس” بالمغرب

بتاريخ 4 يونيو, 2020 | قراءة

ميدلت بريس – محمد اعزيرو

يحدث أن يستهوينا تاريخ مدينة نكون قد ارتبطنا بها، فتُولد لدينا الرغبة في أن نقتفي أثرها وندوّن تاريخها في محاولة منا للاقتراب أكثر من فهمها. فالمدن الملحمية هي تلك التي تعيش من خلال أبنائها، الذين يرسمون ماضيها ويخطّطون لمستقبلها.
كلما وقعت جائحة، كما هو الحال الآن، تغرينا العودة إلى التاريخ بحثًا عن الدروس والعبر، لكننا نقابل بصمت المصادر فقلما يهتم هذا التاريخ بمدن وقرى الهامش، لكن يحدث بين حين وأخر أن يسطع نجم إحدى هذه المدن الصغيرة ليسهم في صناعة جوانب من تاريخ بلادنا.
على مرّ تاريخيه الطويل، عرف المغرب العديد من الأوبئة والمجاعات كما عرفها العالم، ساهمت فيها عوامل مختلفة، وأسباب عديدة، ولا شك في ذلك فمدينة ميدلت لن تشكل الاستثناء. لن نخوض في تاريخ القرون الماضية فالمجال لن يُسعفنا، سنقتصر فقط على فترة ما قبل الاستقلال التي عرف المغرب خلالها وعلى فترات انتشار مرض التيفوس ” Typhus”، مرض تسببه بكتيريا، ينتشر في المواطن التي يزدحم فيها الناس وتسود أحوال غير صحية، وينتقل من شخص إلى آخر عن طريق الطفيليات التي تنقل العدوى عندما تتطفل على شخص مصاب، لتنقلها بدورها لشخص سليم. تتراوح فترة حضانته ما بين أسبوع وأسبوعين تظهر بعدها أعراضه وهي الصداع الشديد والقشعريرة والحمى والطفح الجلدي. تستمر هذه الأعراض عادة نحوا من ثلاثة أسابيع يبرأ بعدها المصاب أو يقضي نحبه.
في المغرب انتشر بشكل ملفت سنتي 1927-1928 حينما تزامن مع موجة جفاف قوية عرفتها البلاد، ثم سنتي 1937-1938 وكان أكثر حدة، وكذلك خلال سنتي1942-1943 خلال الحرب العالمية الثانية، ليختفي المرض تدريجيا بعد الاستقلال.
أشار تقرير شهري للسلطات الاستعمارية لسنة 1920 أن أمراض الجدري والتيفوس كانت تُكتشف باستمرار في الشتاء الذي يلي سنوات الجفاف، هذا الانتشار يكون مصحوبا بهجرات جماعية لساكنة المناطق الأكثر تضرّرا هربا من المرض وبحثا عن لقمة العيش، وكنتيجة حتمية لهذا الزحف البشري تنتقل العدوى إلى المدن الأخرى .
سنة 1927 أشارت يومية ” La Lanterne ” أن المغرب عاش أسابيع تراجيدية، حسب تعبير اليومية، وذلك نتيجة انشار التيفوس ببعض المناطق، خلال نفس السنة، في المغرب، سُجّلت 1659 حالة وسنة 1928 سجّلت 4132 حالة ، وبحسب تقرير نُشر في النشرة الإخبارية لمعهد الصحة بالمغرب، فقد انتقل عدد الحالات المصابة بالتيفوس من حالة واحدة في أكتوبر 1936 إلى 279 حالة في أبريل 1937 و بين سنتي 1937 و1938 بلغ عدد المصابين 1844 حالة في السنة الأولى و7437 في السنة الثانية .
لمواجهة انتقال العدوى وانتشار المرض والتحكم في موجات الهجرة الداخلية، قامت السلطات الاستعمارية بإنشاء 15 مركزا متقدّما لاستقبال وإسعاف المصابين بمجموعة من المدن المنتشرة في جميع جهات المملكة، إضافة لثلاث مراكز رئيسية في مواقع استراتيجية بكل من مراكش وتادلة وميدلت، حسب أسبوعية” Le Courrier colonial” ، فميدلت موقع استراتيجي ومنطقة جدب ومحطة عبور واستراحة لابد منها للتوجه غرابا أو شمالا، بها أحد أهم مراكز الاستقبال يقدم خدماته بداية من أبريل 1937، وقد تمت تهيئة موقع قصر “إخرمجيون” القديم بمركز المدينة وتزويده بالوسائل الضرورية لفعالية أكبر في التدخل، وتم الربط بين المراكز الخمسة عشر المتقدمة والمراكز الثلاث الرئيسية، بسيارات لنقل المصابين في حالة حرجة إلى المستشفيات حيث يتم تنظيفهم وتعقيمهم وتزويدهم بملابس جديدة، بينما المهاجرون القادرون على العمل يوجهون للعمل في الأوراش المفتوحة لهذا الغرض من الاعتمادات المرصودة للعملية من ميزانية سنة 1927 ، هذه السنة الأخيرة، شكلت موعدا سابقا للمدينة مع نفس المهمة.
ترتكز طرق الوقاية والعلاج على منع الإصابة بالطفيليات، فيساعد تغيير الملابس، وغسل ملابس المصاب بالماء الساخن، وتعقيم الأغطية، في الوقاية من التيفوس. حسب مجلة” La revue de la géographie du Maroc “، بمدينة الدار البيضاء، كانت عملية التصدي تتم بتنظيف وتعقيم المدينة إضافة إلى المراقبة الصحية وحملة تلقيح بلغ عدد المستفيدين منها 135668 بين ماي ويونيو 1937، في حين بلغ عدد الملقحين بالمغرب 217588 منهم 171 أوربيا .
للسيطرة على المرض تم ابتكار طريقة للتعقيم عبارة عن حجرات ثابتة في المدن ومتنقلة بالمناطق النائية مثبتة على شاحنة صغيرة من نوع “رونو” موديل 1939. تحتوي حجرة التعقيم، سواء الثابتة أو المتنقلة ، على جهاز ميكانيكي تعلق فيه الملابس لتسحب للداخل وترش بمواد كيماوية عبارة عن خليط من حمض cyanhydrique وغاز الكربون.
بمدينة ميدلت بقي عالقا في ذاكرة العديد من كبار السن انتشار هذا المرض في الفترة التي عرفت بعام “بُوهْيُّوفْ” أو عام “البون ” خلال الحرب العالمية الثانية، فترة عصيبة وصعبة ظلت لسنوات محفورة في الذاكرة الجماعية وأبرز ما بقي محفوظا منها، ليس عدد الضحايا الذين خلّفتهم وحجم المعاناة بل حصص التعقيم الجماعي للساكنة ، الذين كانوا يعتبرونه، حسب من عايشوا الواقعة، إدلالا لهم، إحساس يمكن تفسيره أولا بعزة نفس الساكنة ، فحملة التعقيم هذه تعرض ساكنة القصر موضوع التعقيم للتهكم من طرف القصور الأخرى في الأسواق والتجمعات والحفلات بترديد أبيات شعر هجاء، ذكر لنا أحد مصدرنا واحدا منها، وثانيا وعلى ما يبدو حينها لم تكن حملات توعية وتحسيس حتى تستوعب الساكنة مقاصد الإجراءات الصحية المتخذة من طرف السلطات الاستعمارية أنداك، لكن هذا لا ينفي عدم وجود إفراط في استعمال السلطة من طرف الجنود الفرنسيين ولا ينفي كذلك الآثار الجانبية للمواد الكيماوية السامة المستعملة، يروي أحد مصادرنا، أن الجنود كانوا يقومون بإخراج كل من اختبأ داخل مسكنه بالقوة لإخضاعه لعملية التعقيم في الساحة أمام القصر، وإرغامه على إخراج ملابسه وأغطيته لتعقيمها وإحراق البالي منها.
في نفس الفترة بالذات، بحسب شهادة شفوية، عرفت المنطقة نقصا كبير في المواد الغدائية اضطرت معه الساكنة لإيجاد بدائل أخرى لسد الرمق والتي بقيت تُستعمل حتى مع وفرة الغداء إلى حدود ثمانينيات القرن الماضي كنبات “أَوْجدم” الذي يُستعمل كحساء، و”تَالْمَا” التي تُؤكل مباشرة مع قليل من الملح، و”الفَصّة” التي أصبحت تستعمل فيما بعد لإعداد وجبة “بُويْفْنُوزْنْ” بخلطها مع سميد الذرة.
إن تحويل مستوصف المدينة من الإدارة العسكرية إلى الإدارة المدنية سنة 1938، في اعتقادنا، جاء نتيجة للدور الفعال الذي لعبته المدينة في التصدي للمرض، المستوصف أنداك يعرف باسم الطبيب الفرنسي”Paul Chantinière ” فالرجل ارتبط اسمه بمرض التيفوس، فقد كان متطوعا بمدينة ميدلت بين 1924و1927 وبعد ذلك في الصفوف الأولى لمواجهة انتشار التيفوس بمدينة تارودانت ليلقى حتفه به هناك سنة 1928 ويدفن في ساحة المستشفى بناء على وصيته .
في بداية الخمسينيات تم بناء مستشفى ميدلت المسمى أنداك “Paul Chaubet”، اسم طبيب فرنسي أخر كان قد عمل بمدينة وزّان لينتقل إلى مدينة ميدلت ومات فيها سنة 1946 بالتهاب رئوي، قيل إنه انتقال تأديبي، لكن بحسب الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية يناير 1936 فالرجل تُوّج بوزّان بميدالية شرف فضية على أعماله لمواجهة الأوبئة ، المستشفى كان مجهّزا بإمكانيات مهمة تتيح إجراء العمليات الجراحية للمرضى المحليين والوافدين عليه من المناطق المجاورة.

بالرغم من أن ميدلت لا تضاهي الحواضر التاريخية المغربية المعروفة، إلا أنها تسجل حضورها باستمرار في تاريخ المغرب، حضور يصعب تفسيره، ربما يكمن في سحر هذه المدينة الملحمية.

error: Content is protected !!