اليوم الإثنين 10 أغسطس 2020 - 2:07 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 19 يونيو 2020 - 4:38 مساءً

في مهبّ الريح

بتاريخ 19 يونيو, 2020 | قراءة

ميدلت بريس – زايد التجاني

ذبابة كبيرة تزنزن في فضاء الغرفة الصغيرة،رياح تزمجر في الخارج بقوة من وقت لأخر، تضرب دفة النافذة الخشبية حتى تصطدم بجدار الغرفة لكأنها تصفعها صفعات قوية..عينان معلقتان بالسقف المرقط بدوائر وخطوط مبللة..لقد غربت شمسك يارجل..حملت أثقال العائلة لسنوات والآن لا أحد يحمل ثقلك..طاروا كالفراخ المذعورة وتركوك في عشك البالي..يومها كان مليئا بالحيوية والنشاط.. تبخر كل شيء الآن ولم تبق إلا الذكريات، الذكريات الأليمة..أ

إنك أشبه ما تكون بأم الأربع والأربعين،همس في خاطره، حياة بطيئة كمشيتها..أيام كئيبة كلونها,وفصول متشابهة كأرجلها المتعددة..

كنت تعود من العمل وقد هد التعب جسمك، تستقبلك بالترحاب.. تناديك : تعال ياربيع الحمام جاهز،بعدها تخرج وقد انتعش جسمك بالماء الدافئ وتشعر بارتياح جميل..تجلس بجوارك تمشط شعرك، تمرر الفوطة على عنقك.. أحيانا تظل تتأملك كانك طفلها الصغير..تشعر أنت بزهو جميل فينتفخ ريشك كالطاوس وأنت ترى على قسمات وجهها الصبوح ابتسامة عريضة ملؤها الحب والحنان ..

تطفر من عينيه الغائرتين دمعات ساخنة، باتت الذكريات عنده كأسنان المنشار ، حياته تتناثر أجزاء على أرضية الواقع المرير ..انتبه على صفعة الرياح للنافذة المهترئة مرة أخرى،يفتح الباب فجأة

 – السلام على أهل الدار

كالعادة، تمط جسدك قليلا الى الخلف لعلك تتكئ بجدعك الواهي على الجدار

كيف الحال ياربيع ؟ أراك تتحسن .. يضع صحنا مغطى بقطعة قماش بيضاء على المائدة المجاورة، يذهب ويحضر لك كوب ماء، حياة مرهونة بالجيران الطيبين..فقيه الحي خطب في الناس ذات يوم ، أوصاهم بفعل الخير فهو طريقهم الى الجنة ، أيها المومنون،ارحموا عزيز قوم ذل..ارحموا أرملا معذبا ومريضا مقعدا وفقيرا معدما.. لم يذكرك بالاسم لكن كان يلمح تلميحا،كنت طائرا نشيطا ،تخرج ولا تعود إلا ومعك طعام في منقرك وآخر معلق بمخلبك..تطعم البطون الجائعة وتملأ نفوسهم بالسكينة والطمأنينة..مرت الحياة مليئة بالحيوية والنشاط، كنت تلك الأدراج التي تطؤها الأقدام للصعود وقد صعدوا..هذا حسن يدخل عليك يكاد يطير من الفرح،أبي أبي لقد نجحت في سلك الطيران. وعائشة ؟ التي بحثت عنك حتى وجدتك في السوق لتزف إليك البشرى: طبيبة طبيبة ياأبي..دخلت الدار ذلك اليوم بلحم كثير وأكياس من الفواكه، سألتك كنزة

ماهذا؟

اليوم يوم فرح ، أعدي الطعام اللذيذ يا أم حسن، هذا يوم مبارك والليلة ليلة صدقة ..

رفعت رأسك نحو الصورة المعلقة في الحائط، أربعة أشخاص ينظرون إليك في صمت ، واحدة قد رحلت من غير رجعة ، الآخران التحقا بعملهما في الخارج، سألا عنك في البداية ثم انقطع الاتصال الى اليوم..أغلقت عينيك الذابلتين على ذبابة كبيرة كانت تنطح رأسها بزجاج النافذة  ،الرياح الهوجاء تعوي في الخارج من وقت لأخر، وهدير رعد متقطع ينذر بقدوم الامطار وبرد سيلسع ما تبقى فيك من لحم..أنت مجرد فردة حذاء عافتها الأقدام ، خاطب نفسه، كقطة مريضة، تكوّم على نفسه كالعادة ، يطلب إغفاءة يطفئ بها جمرة غضب  بات ينبع من صدره كبركان..اختل ايقاع ضربات القلب في صدره ودارت عيناه في محجريهما ..

…………………………

أ.زايد التجاني

اكتوبر 2019

error: Content is protected !!