اليوم الإثنين 10 أغسطس 2020 - 3:06 مساءً
أخر تحديث : الأربعاء 1 يوليو 2020 - 8:46 مساءً

المجتمع المدني المغربي ورهان النموذج التنموي الجديد: أي موقع مرتقب للفاعل المدني في هذا النموذج التنموي الجديد؟

بتاريخ 1 يوليو, 2020 | قراءة

ميدلت بريس – زوهير أيت سعيد أحقي  فاعل جمعوي وباحث في تاريخ المغرب الراهن

لقد شكل مؤخرا قبول الملك للمهلة الزمنية التي طلبتها اللجنة الخاصة للنموذج التنموي الجديد من أجل التمكن من رصد تداعيات جائحة كورونا التي تجتاح حاليا المغرب والعالم ككل وجرد تبعياتها على الدولة والمجتمع والاقتصاد، الى جانب الدينامية الكبيرة التي أبان عنها مؤخرا المجتمع المدني المغربي في تدبيره الحسن وانخراطه الفعال في الجهود الوطنية المبذولة لمحاربة هذا الفيروس، شكلا معا فرصة حقيقية لفتح النقاش الوطني من جديد حول طبيعة ملامح هذا النموذج التنموي الجديد ومدى إشراكه لشريك حيوي وحقيقي مثل نسيج المجتمع المدني الذي أظهر خلال فترة تفشي هذه الجائحة عن قدرته وأهليته الكبيرتين للانخراط الفعال في الأزمات الاجتماعية والنهوض بالعجلة التنموية الوطنية، وذلك من أجل المساهمة لإنجاح هذا الورش الوطني الذي أطلق مؤخرا بعد الاعلان الملكي عن فشل السياسة التنموية الحالية وإفراز نموذج تنموي يستوعب متطلبات المغاربة ويلبي طموحاتهم  ويواكب حاجيات المرحلة الدقيقة  التي يمر منها المغرب اليوم.

ومنه، سنحاول معالجة موضوع  المجتمع المدني والنموذج التنموي الجديد في المغرب ومقاربته من جوانب متعددة ومختلفة، وذلك من خلال الإجابة عن الإشكالات والتساؤلات  التالية:

ما هي المكانة التي ينبغي أن تكون للمجتمع المدني في هذا النموذج التنموي الجديد؟

وهل ستشفع الحصيلة والمكتسبات التي حققها الفاعل المدني مؤخرا ليكون في صلب هذا النموذج التنموي وإحدى رافعاته الأساسية؟

وإلى أي حد يمكن أن نعتبر فيه اليوم المجتمع المدني دعامة قادرة على بلورة هذا النموذج التنموي الجديد؟

           يعد الاعتراف الملكي في الخطابات الأخيرة بفشل النموذج التنموي الجديد ودعوته الى اعداد نموذج تنموي جديد اكثر جرأة وشمولية منعطفا حاسما ونقطة مفصلية مست كل الأصعدة وحظيت باهتمام وطني كبير، ليس فقط باعتباره اعترافا بفشل السياسة التنموية الحالية للمغرب وانما اقرارا بعطب توجهات الدولة ككل سواء منها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، بل نذهب أبعد لنعتبره دعوة صريحة ونداء حقيقيا من أجل إعمال نقد ذاتي شامل ودقيق لكل برامج وسياسات الدولة لتصبح أكثر واقعية وتفاعلا مع خصوصية المرحلة ومتطلبات كل المغاربة.

فبعد الخطاب القوي ليوم 13 أكتوبر2017، جاء التأكيد الملكي يوم 12 أكتوبر 2018 بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الأولى على فشل النموذج التنموي الحالي وعجزه عن تلبية حاجيات المغاربة المتنامية بقوله:” النموذج التنموي للمملكة أصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي”، ثم أضاف أن “المغاربة اليوم يحتاجون إلى التنمية المتوازنة والمنصفة التي تضمن الكرامة للجميع وتوفر الدخل وفرص الشغل، وخاصة للشباب، وتساهم في الاطمئنان والاستقرار والاندماج في الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية التي يطمح إليها كل مواطن؛ كما يتطلعون إلى تعميم التغطية الصحية وتسهيل ولوج الجميع إلى الخدمات الاستشفائية الجيدة في إطار الكرامة الإنسانية” .

ولتكون دعوة الملك أكثر عملية، فقد بادر بإنشاء لجنة خاصة بقيادة شكيب بنموسي وفريق مكون من 35 شخصية ذات كفاءات واختصاصات مختلقة  كلفها بصياغة مضامين نموذج تنموي جديد قادر على استيعاب كل المواطنين وتلبية احتياجاتهم، وإيجاد حلول عملية للمشاكل الحقيقية، والقدرة على الحد من مشكلة عطالة الشباب ومن الفوارق المجالية والتنموية وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية.

وتجنبا لأي لبس حول طبيعة اشتغال هذه اللجنة وخصائصها فقد أكد الملك أنها: “لن تكون بمثابة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية موازية؛ وإنما هي هيأة استشارية، ومهمتها محددة في الزمن”، بعد أن أكد أن تركيبتها ستشمل “مختلف التخصصات المعرفية، والروافد الفكرية، من كفاءات وطنية في القطاعين العام والخاص، تتوفر فيها معايير الخبرة والتجرد، والقدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضار المصلحة الوطنية العليا”.

وهكذا أصبح من الواضح اليوم أن عدم قدرة النموذج التنموي الحالي على الاستجابة للمطالب الضرورية إحدى الأسئلة التي لاتزال عالقة، لكننا نؤكد أن أحد الأجوبة هي مرتبطة أساسا بتغييب للمجتمع المدني وتعطيل لأدواره وكبح عجلته عن المساهمة الفعلية في تحقيق التنمية والانخراط في معالجة قضايا المجتمع وحاجياته، كما تتجلى بإرساء علاقة شراكة قوية مع المجتمع المدني وتنشيط لصلاحياته ووظائفه ليصبح رافعة لانجاح هذا النموذج.

ان المجتمع المدني المغربي اليوم أضحى بحصيلته وبأدواره وبمكتسباته الجديدة مرشحا بقوة أكثر من أي وقت مضى ليكون دعامة أساسية في العجلة التنموية الوطنية، من خلال انخراطه في ورش هذا النموذج التنموي ولعب الدور الطلائعي المنتظر منه في تجديده وبالتالي الإسهام في انجاحه.

لقد حققت فعاليات المجتمع المدني في المغرب تطورا ملموسا وطفرة جد بارزة منذ بداية الألفية الثالثة، ولا سيما بعد إطلاق الورش المفتوح للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، إذ تؤكد أغلب المؤشرات الرقمية والإحصائية أن الحصيلة التي حققها العمل المدني بالنظر إلى المشاكل والتحديات التي يعاني منها وأخذها بعين الاعتبار تظل حصيلة “مقبولة”، بل نعتبرها حصيلة “مشجعة”.

تعتبر فعاليات المجتمع المدني خاصة في واجهتها الجمعوية طرفا وازنا وقوة مهمة قادرة على التأثير على مراكز صنع القرار العمومي، فالمغرب اليوم يضم أكثر من 150 ألف جمعية، حوالي 90% منها تشتغل في المجال المحلي، بطاقة تطوعية خلاقة تتجاوز مليون متطوع، كما أن المجتمع المدني يظل شريكا حقيقيا للجماعات الترابية بدعم يناهز 700 مليون درهم سنويا لأزيد من 13 ألف جمعية، وفاعلا مهما في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بدعم مباشر لأزيد من 14 ألف جمعية بغلاف مالي ناهز 4 مليار درهم في عشر سنوات.

ومما يجعل أيضا النسيج الجمعوي المغربي أكثر قدرة على الانخراط في هذا النموذج التنموي، هو اقتحامه للمجال الاجتماعي ومجالات حماية الطفولة والمسنين ورعاية الأشخاص في وضعية إعاقة والنساء في وضعية صعبة، إذ أصبح اليوم مثلا يسير منظومة مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي يتجاوز عددها أزيد من 1100 مؤسسة مرخصة، مع منظومة للدعم العمومي عبر قطاع التضامن والأسرة والمساواة والتنمية الاجتماعية بغلاف مالي في 2018 بلغ 370 مليون درهم.

الى جانب ذلك، فانه يعد منخرطا حقيقيا في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الأمية بأزيد من4000 جمعية، ضمنها 1300 في مجال الأمية الوظيفية، بميزانية تفوق 400 مليون درهم، كما أنه شريك مهم في برامج دعم التمدرس واحتضان الطلبة ومكافحة الهدر المدرسي، وخاصة في العالم القروي، بغلاف مالي يفوق 500 مليون درهم، هذا دون ذكر المجالات الأخرى  المختلفة سواء الثقافية أو الرياضية أو الفنية أو الإبداعية.

وأمام الدور الوازن والمكانة الرفيعة التي أكسبها دستور 2011 للمجتمع المدني، اذ منحه أدوارا طلائعية وصلاحيات عمودية وأفقية سواء في العمل التشريعي أو في اعمال اليات المساءلة، وبالتالي قدرته على المساهمة في صناعة القرار العمومي من خلال تقديم العرائض والملتمسات أو عبر الهيئات الاستشارية المحدثة في مختلف الجماعات الترابية، حيث يقر الفصل الثاني عشر من هذا الدستور على مبدأ الديموقراطية التشاركية للمجتمع المدني وإشراكه في اتخاذ القرار ورسم ملامح السياسات العمومية.

كما أن من العوامل الأساسية التي تضعنا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلدنا نرشح فعاليات المجتمع المدني للعب الدعامة الرئيسة للنهوض بالعملية التنموية الوطنية وفق النموذج التنموي الجديد، هي امتدادها المجالي الشاسع على شكل شبكة منتشرة تغطي كل جهات المملكة بطاقات تطوعية عملاقة، حيث تبلغ عدد الجمعيات في المغرب حاليا كما سلفنا في الذكر أعلاه أكثر من 150 الف جمعية مما يجعلها أكثر قربا من المواطن المغربي وأكثر استيعابا لحاجياته وأكثر فهما لعمق قضاياه وبالتالي هو الأكثر قدرة من كل الأطراف المتدخلة نجاعة وكفاءة لإيجاد صيغ حلولية حقيقية لمشاكله.

ومما لا شك فيه أيضا، أن مع انعدام ثقة المواطنين في مجالسها المنتخبة وتوالي صداماتهم مع السلطات العمومية في الشوارع مع كل مناسبة احتجاجية، يزيد حتما من تغلغل الفاعل المدني في عمق المجتمع المغربي ليسد الفجوة التي تتركها السلطة العمومية والمنتخبين، فيصبح بالتالي أكثر قربا وتفاعلا مع المواطنين المغاربة ومع قضاياهم وانشغالاتهم، ومن ثم يظل الأكثر قوة وجرأة لاقتراح حلول ناجعة لها ، وبالتالي يغدو الأكثر قدرة حتى على التأثير على قراراتهم واختياراتهم وفق المضامين المطلوبة لهذا النموذج التنموي الجديد.

 ناهيك أن كل الخطب الملكية خاصة منذ دستور 2011 طالما أشادت بأدوار المجتمع المدني وعلى مقدرته العالية على الانخراط في التنمية الوطنية، كما أثنت ما مرة على قدرته الكبيرة ان وظفت بالشكل السليم في حل أبرز الملفات الاجتماعية والاقتصادية العالقة، وقد كانت إشارة الملك في هذا الصدد جد واضحة مدركا في ذلك أن صياغة ونجاح النموذج التنموي المرتقب رهين بمدى مشاركته الفعالة، إذ قال:” وفي ذات السياق يجب على مختلف الفاعلين وأخص بالذكر الأحزاب السياسية و النقابات و المجتمع المدني للبلاد إلى تكثيف الجهود أكثر فأكثر قصد بلورة لقاءات وطنية ودولية أخرى ترسم فيه معالم النموذج التنموي”. 

الى جانب ذلك، فإن ما يجعل المجتمع المدني على قدرة كبيرة في أن يكون الرافعة الرئيسية لهذا النموذج التنموي الجديد هو علاقته بالشباب، إذ أصبح الشباب اليوم قضية راهنية تحظى بنصيب كبير من الاهتمام خاصة في كل الخطب الملكية التي تدعو المسؤولين والجهات الخاصة الى تأهيل الشباب بتعليم جيد وفرص عمل مناسبة بل دعت ما مرة الى تمكين الشباب من مناصب صنع القرار، وفي هذا الصدد يظهر المجتمع المدني كقوة جذب كبيرة للثروة الشبابية وطالما كانت مدرسة مهمة للتأهيل والتكوين في أبرز المجالات، إذ عرفت منذ العقدين الأخيرين في المغرب مراكز الجمعيات ودور الشباب والرياضة والثقافة استقطابا كبيرا للشباب خاصة في مجال الدعم المدرسي والتحفيز والرياضة والثقافة والفنون، ليكون بالتالي المجتمع المدني الأكثر حضورا لدى الشباب المغربي ومنه الأقرب فهما لحاجياته وطموحاته المختلفة.

وفي ظل الأزمة الحالية المرتبطة أساسا بتفشي وباء كورونا المستجد التي يعرفها العالم ككل، برز المجتمع المدني المغربي في المشهد كمعادلة صعبة وكقوة مهمة ومؤثرة ساهمت بالنصيب الوافر في التعبئة الوطنية ضد هذا الفيروس بالشكل النظري والعملي معا، من خلال عمليات التحسيس والتوعية بخطورة الفيروس وبالإجراءات الكفيلة للوقاية منه، كما انخرطت فعاليات المجتمع المدني بشكل فعلي للتخفيف من حدة الأزمة الاجتماعية التي خلفتها هذه الجائحة عبر توزيع القفف والمواد الغذائية.

ناهيك، أن أهم الركائز والدعائم التي تجعل من المجتمع المدني ورقة مرشحة للعب دور طلائعي داخل هذا النموذج التنموي المرتقب، هو العلاقة الوطيدة للمجتمع المدني بقطاع التعليم، خاصة من خلال ارتباطه بالمدرسة والجامعة  المغربية، حيث أصبح النسيج المدني يلعب دورا كبيرا في أبرز العمليات التربوية التعليمية والجامعية خاصة مع اقامة دروس الدعم التربوي في مراكز الجمعيات ودور الشباب، الى جانب انتشار مهم وملحوظ للأندية الثقافية والفنية والرياضية داخل الجامعات والكليات المغربية، مما يجعل هذا النسيج قريبا لطبيعة الإشكاليات التي يعاني منها قطاع التعليم المغربي والقادر على اقتراح حلول ناجعة لها، ذلك كله لان جل خبراء التنمية البشرية يجمعون على أن العمل الجمعوي الغير مدفوع الأجر هو حجر الزاوية لإعداد مشاريع تنموية تستشرف المستقبل وتعين جيل قادر على الإبداع والعطاء.

 ولا سيما اليوم أن قطاع التعليم والتكوين المهني مع مشاكله العديدة على رأسها اشكالية التعاقد وعدم ملائمة البرامج الدراسية مع متطلبات سوق الشغل المغربية، أضحى التعليم قضية وطنية ثانية بعد  قضية الوحدة الترابية وبالتالي فليس غريبا أن يكون هذا القطاع الحيوي في عمق وصلب النموذج التنموي الجديد.

وبما أن المشروع التنموي الجديد يقتضي إعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة والمقاربة التشاركية، فإن المجتمع المدني المغربي اليوم كما سلفنا الذكر أصبح يتمتع بموجب دستور 2011 بأدوار عمودية وأفقية خاصة المرتبطة بالتتبع والتقويم المساءلة بل المحاسبة أيضا، الى جانب قدرته على التأثير في السياسات العامة والقرار العمومي من خلال صياغة وتقديم العرائض والملتمسات والهيئات الاستشارية، مما يجعله  داخل هذا النموذج عينا فاحصة حقيقية وأداة تقييم دقيقة وقوة وازنة للتتبع والتقويم وقناة فاعلة للمساءلة والمحاسبة.

كما أن طبيعة اشتغال الفاعل المدني المنفتحة والقادرة على استيعاب مختلف المواقف والأفكار باختلاف مواقع وانتماءات حامليها، تجعله اليوم الأكثر استعدادا للعب دور ريادي في هذا النموذج التنموي الجديد عبر قدرته العالية لاستيفاء مبدأ الالتقائية باعتبارها آلية حقيقية تهدف إلى تقريب الرؤى بين كل المتدخلين المشاركين في صنع القرار العمومي  من السلطات المحلية والفاعل السياسي  والجماعات الترابية والجمعيات المدنية الاخرى الى جانب  القطاع الخاص من أجل  اتخاذ القرار العمومي بشكل تشاركي ليكون قرارا متطابقا وموحدا ومتكاملا ومندمجا ومنسجما  ذو نتائج ايجابية للصالح العام.

وبذلك، فان فشل النموذج التنموي الحالي في تلبية طموحات ومتطلبات المواطنين، خاصة أنه لم يحد من الفوارق الاجتماعية والاختلالات المجالية ولم يحقق عدالة اجتماعية، نظرا لاتساع دائرة الفقر وعدم ملاءمة مناهج التدريس والتعليم مع سوق العمل والتطور التقني، مما ساهم في تنامي نسبة البطالة في أوساط الشباب وخريجي الجامعات والمعاهد، نعوزه وجهة نظرنا الى عدم الإشراك الفعلي للمجتمع المدني فيه واقصاءه من أبرز صلاحياته وبرامجه وسياساته، وهو ما يعد حتما انتهاكا حقيقيا للأدوار التي منحها إياه الدستور الأخير.

وبالتالي، نقر اليوم أن المجتمع المدني المغربي مع موعد استثنائي لا نعتقده سيتكرر ليكرس أدواره التاريخية وليبرهن على قدرته في قيادة القاطرة التنموية الوطنية، ويكون بذلك دعامة أساسية للمساهمة في بناء صرح هذا النموذج التنموي الجديد أولا، ثم انخراطه الفعلي في تجديده، وأخيرا في انجاحه.

لكننا في نفس الوقت، نؤكد أن نجاح هذا النموذج التنموي الجديد بكل مراحله النظرية والعملية رهين بمدى الإشراك الفعلي والحقيقي لفعاليات المجتمع المدني المغربي في مختلف جهات المملكة، بل وتمكينه من أدواره وصلاحيته الشرعية والمشروعة التي أكسبها إياه الدستور الأخير، وأيضا رهين بالأخذ بعين الاعتبار باقتراحاته وأراءه وملتمساته.

وبالتالي، نؤكد أن مسألة المشاركة الفعلية للمجتمع المدني في صياغة ملامح هذا النموذج التنموي الجديد وانجاحه رهينة بمدى تفعيل عدة إجراءات عملية استعجالية لتخليص الفاعل المدني من المشاكل التي يعاني منها ومن القيود التي تكبله عن القيام بأدواره على أتم وجه، حيث نرى أن تأهيل الحقل الجمعوي في المغرب هو المدخل الحقيقي للمشاركة الفاعلة للمتجمع المدني المغرب في هذا النموذج التنموي المرتقب، ونجمل أهم هذه الإجراءات في ما يلي:

1ـ تمكين الجمعيات من مقرات ومراكز خاصة بها، الى جانب وسائل النقل العمومية الخاصة بالجماعات الترابية وبالمجالس الاقليمية مثل الحافلات، وذلك حتى تتحقق النجاعة المطلوبة للفعل المدني.

2ـ تمكين فعاليات المجتمع المدني من الموارد المالية الضرورية، من أجل تمويل برامجها ومشاريعها وبالتالي تجسيد الانخراط المدني الحقيقي في عجلة التنمية المحلية ثم الوطنية.

3ـ دعوة المؤسسات المانحة والممولة، كمؤسسة التعاون الوطني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ووكالة التنمية الاجتماعية وغيرها، الى التعامل السليم والناجع مع مشاريع الجمعيات وقبول الأفضل منها بعيدا عن الحسابات الضيقة، بل إننا نقر في هذه النقطة على ضرورة تكثيف عمل هذه المؤسسات لأن عدد المشاريع الممولة لا يكاد يتعدى 20 في المائة من عدد  المشاريع المقدمة اليها.

4ـ إعادة النظر في إشكالية علاقة الدولة مع الفعاليات المدنية، إذ نؤكد في هذا الصدد أنه لا سياسة تنموية صحيحة وفعالة وناجعة في دولة تنفر من فاعلها المدني أو تضايقه أو تصارعه، وبالتالي يجب العمل على تقريب الرؤى بين الطرفين عبر اللقاءات المكثفة في أفق نسج وصياغة علاقة جديدة سليمة تقوم على التعاون والتكامل لا التنافر والصراع.

5ـ تشجيع النسيج الجمعوي المحلي على تشبيك منظمات المجتمع المدني لتشكيل قوة اقتراحية ضاغطة تضطلع بدورها الدستوري على أكمل وجه، وأيضا حتى تستفيد أيضا من تركز الدعم العمومي.

6ـ تمكين المجتمع المدني من مكسب عقد الشراكات العمومية سواء مع الجماعات الترابية أو السلطات المحلية أو مع القطاع الخاص أو مع الفعاليات المدنية نفسها، بل أكثر من ذلك نطالب هنا بإلزام الجماعات الترابية قبول الشراكات المقدمة من النسيج الجمعوي باعتباره شريك حقيقي للتغلب على المعضلات والمشاكل المحلية، وذلك بعيدا عن الحسابات الخاصة الضيقة.

7ـ تأهيل الفعل الجمعوي المغربي عبر تكوين دورات تكوينية لصالح للفاعلين الجمعويين، خاصة فيما يتعلق بالتسيير السليم وبالقيادة الرشيدة، ليكون بالتالي قادرا على قيادة العجلة التنموية المحلية وأكثر تفاعلا مع القضايا المحيطة به.

8ـ العمل على إعادة المعنى الحقيقي للفعل المدني المغربي ولكل مؤسساته، من خلال تمكينه من الصلاحيات التشريعية والقانونية، وأيضا الإشادة بأدواره البارزة عبر القنوات الإعلامية.

9ـ حل المعضلات القانونية التي تكبل المجتمع المدني عن القيام بالوظائف التي أنيطت به، خاصة فيما يرتبط بشروط تنظيم الاحسان العمومي.

10ـ تمكين المجتمع المدني المغربي من الصلاحيات التي أقرها الدستور الأخير في مقدمتها تقديم العرائض والملتمسات، عبر اعادة النظر في الشروط “التعجيزية” التي تحول دون انخراطه في ورش الديموقراطية التشاركية.

11ـ إعادة النظر في شروط وإجراءات الولوج الى الهيئات الاستشارية المحدثة في مختلف الجماعات الترابية، وجعل الكفاءة والنجاعة والدينامية هي الفيصل بعيدا عن العلاقات “الشخصية”.

12ـ إصلاح المنظومة الضريبية الموجهة نحو العمل الجمعوي، وتعويضها بنظام جبائي ملائم يشجع الفعل الجمعوي على التطور، ويأخذ بعين الاعتبار الصفة الغير الربحية لمنظماته.

13ـ تسهيل المسطرة القانونية المتعلقة بتمويل الجمعيات والفعاليات المدنية الأخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار في ذلك المشاريع الأكثر شمولية ووزنا، حتى يتأتى لهذه الفعاليات الانخراط الفعلي في عجلة التنمية المحلية.

14ـ تأهيل الإدارة المغربية في علاقتها مع العمل المدني، عبر تنظيم دورات تكوينية لرجال السلطة وموظفي الادارات العمومية وحملات تحسيسية للتوعية بأهمية العمل المدني في قاطرة التنمية الوطنية.

15ـ إعادة الاعتبار لمكسب الديموقراطية التشاركية لتكون مثل نظيراتها النيابية والتمثيلية، عبر مراجعة القوانين المنظمة لها التي يراها اليوم الفاعل الجمعوي المغربي شروطا “تعجيزية” لحرمانه من هذه المكسب، وذلك لما للديموقراطية التشاركية من دور كبير في حل الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.

16ـ تمكين المجتمع المدني من إعلام نزيه وحقيقي للتعريف به وبمشاكله وبقضاياه، إذ أصبح اليوم كما هو معروف إحدى الركائز المؤثرة في الحياة المعاصرة بمختلف تجلياتها.

17ـ تفعيل الحصانة القانونية للفاعل المدني، خاصة خلال اجتماعاته وأنشطته وحملاته وخرجاته وتظاهراته، كما ينبغي حمايته من كل المضايقات والأخطار المحدقة به.

18ـ تسهيل استفادة الفاعل المدني من القاعات والفضاءات العمومية، وأيضا تنظيم اللقاءات والتظاهرات العلمية والثقافية من أجل المساهمة في اغناء النقاش العمومي والارتقاء به.

  19ـ كما نرى أيضا، من واجب النموذج التنموي الجديد أن يستجيب للمعضلات العالقة في مجال التطوع، عبر تقنينه قانونيا وتشجيعه ماديا لأن العمل التطوعي هو أساس تقدم ورقي الدول والمجتمعات.

21ـ تثمين المجهودات والحصيلة الايجابية التي حققها المجتمع المدني المغربي في معركته ضد فيروس كورونا، والأخذ بعين الاعتبار بتوصياته وملتمساته التي توصل اليها.

21ـ وأخيرا، ندعوا الدولة وكافة الشرائح المدنية الى الكف عن “تمييع” الحقل الجمعوي بمختلف الأشكال والعمل على الحد منه، وجعل الكفاءة والمستوى العلمي ودرجة الأهلية والطموح من شروط الولوج الى هذا المجال، من أجل قطع الطريق عن “الانتهازيين” و”المسترزقين”، والعمل على الإرتقاء الجماعي بالفعل الجمعوي الى المنازل الحقيقية التي يستحقها.

          إن مشروع تجديد النموذج التنموي الذي تقوده اليوم لجنة شكيب بنموسى ومختلف فاعليها، هو ورش وطني طموح يقتضي تعبئة كافة الطاقات، وهو مشروط بمدى اشراك أنجع واندماج أقوى للمجتمع المدني بما يجعل منه رافعة مستقبلية ضمن مجموع رافعات النموذج التنموي المطلوب والمرغوب فيه من قبل كل المغاربة.

والأمر إذا، يتعلق بالمجتمع المدني الفاعل ومدى قدرته على التخلص مما يحول بينه وبين أن يكون فاعلا ومتفاعلا لا مجرد مفعولا به، اذ نقر أنه لا مجتمع مدني بدون أدواره النقدية والترافعية والتشاركية والتنموية الحقيقية، ولا يمكن أن نمكنه من ذلك دون أخذ مذكراته وملتمساته وعرائضه بعين الاعتبار وإدماج الوجيه منها في السياسات العمومية وتمكينه من أدواره الدستورية  في المشاركة في وضع السياسات العمومية ومراقبتها والمساهمة في أجرأتها وتقييمها وتطويرها

إننا اليوم بحاجة إلى تعبئة وطنية عامة وشاملة من أجل وضع نموذج تنموي جديد دقيق يتماشى مع خصوصية المرحلة ومع المتغيرات المجتمعية ويساير الأولويات الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها الركائز الأساسية للنموذج الذي نتطلع إليه.

وبالتالي، تظل مهمة هندسة ملامح هذا النموذج الجديد اختبارا حقيقيا للجنة الخاصة به،لأنها مهمة تحتاج الى قدرة كبيرة ودقة متناهية بل الى جرأة عملية كبيرة على كل المستويات، ولعل أبرز هذه المستويات هي المتعلقة بمؤسسة المجتمع المدني والعمل على إعادة  المعنى الحقيقي لها وتنقيتها من الشوائب والمشاكل التي تتخبط فيها وتعرقلها للقيام بوظائفها الحقيقية، حتى يكون للفاعل المدني الموقع الأساسي والبارز الذي يستحقه ضمن هذا النموذج التنموي الجديد، ويساهم في صياغة نموذج تنموي أكثر شمولا وواقعية قادر على تجسيد مختلف متطلبات المغاربة ويضع الخطط الاستراتيجية على المدى القريب والمتوسط والبعيد الكفيلة بتحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي المنشود.

فهل ستستطيع لجنة شكيب بنموسى الاستجابة لهذا النداء ؟

error: Content is protected !!