بمناسبة اليوم العالمي للمرأة أقدم لكم هذا النص عن امراة من عمق البادية المغربية ، بصم اللقاء بها تواجدي كمدرس بدكالة ( 1991- 1995 ) …هنيئا للمرأة بعيدها الأممي

lahcen boudran
كتاب و اراء
آخر تحديث : السبت 12 مارس 2022 - 6:04 مساءً
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة أقدم لكم هذا النص عن امراة من عمق البادية المغربية ، بصم اللقاء بها تواجدي كمدرس بدكالة ( 1991- 1995 ) …هنيئا للمرأة بعيدها الأممي

ــــــــــــــــــــــ

ميدلت بريس – | من أوراق معلم
أمي ( حبيبة ) الهيفاء وضرب النساء

جارتنا امرأة فارعة الطول بيضاء البشرة، ليست بدينة ولا نحيلة عندما ترسم ابتسامة على ثغرها تظهر عليه أسنان بيضاء مرصوصة تزين وجهها الصبوح رغم كبرها في السن. بين اسنانها الفوقية فرجة ( فلجة ) تزيدها ملاحة وسحــرا. اسمها حبيبة ، مات عنها الزوج فبقيت تحضن أبناءها وبناتها ، كما تكفلت بتربية حفيدتها من ابنها الأكبر الذي يعيش بمدينة الدار البيضاء لتخفف عليه أعباء الحياة ومشاقها في مدينة تلفظ الأبناء لتستقبل بالأحضان الغرباء.. كنت مدرس الحفيدة وهي فتاة رشيقة القوام ، قوية البنية يكسو زغب طري مرافقها. حبيبة تتميز بالحيوية و روح الدعابة. عدت ذات مساء من المدرسة بعد انتهاء حصص التدريس. عندما بلغت سكناي المحاطة بسور من حجر وإسمنت وهممت بوضع المفتاح في القفل على باب كبير من الزنك رأيتها تجري نحوي ، ولما دنت مني حضنتني بقوة وهي تتوسل الي وتستدر عطفي بقبلات على الخدود تترك آثار الشفاه رضابا نديا أن لا أغضب من زوجتي التي غادرت الدار دون إذن مسبق مني . دق قلبي فرقا وعصفت بي الظنون أن مكروها أصاب شريكة الحياة في غيابي. لقد دعوتها الى كأس شاي لنؤنس وحدتها ونذهب عنها وحشة الغربة ، بالله عليك لا تضربها وهي مع ابنتي بالبيت وجئت لآخذك معي حتى لا تجزع من غيابها. سرت مع السيدة بعد أن اقسمت لها أنني لن أضرب زوجتي واطمأنت نفسها وهدأ روعها الى منزلها المحاط بسور عال والمحاذي لساقية كبيرة تنتهي الى محطة ضخ المياه لسقي حقول الشمندر السكري ، الطماطم ، الفلفل والنعناع . تتوسط المنزل ساحة كبيرة تفتح عليها غرف متراصة ومتلاصقة. الأهالي هنا يبنون غرفة وكلما تيسر لهم مبلغ من المال بنوا أخرى الى جانبها على حسب طاقتهم . تركن بالساحة عربة مجهزة بصهريج ماء صغير لزوم جلب الماء للشرب من بعيد. وفي جانب آخر حظيرة للأبقار والمواشي. ادخلتني غرفة مؤثثة بما يلزم من فراش وبدت على المكان نقاوة وحسن تنظيم وسلامة ذوق .
وجدت زوجتي مع شابة ( فاتحة ) مليحة ممشوقة القد أنيقة المظهر صافية البشرة تعيش بمدينة الدار البيضاء وتزور أمها وإخوتها من حين لآخر. أغلب السكان هنا لهم أقارب بمدينة الدار البيضاء كأكبر مدينة اقتصادية توفر فرص الشغل ومحادية لحدود إقليم الجديدة المترامي الهوامش . جلست الى مائدة مصفوفة بما لذ وطاب من خبز وسمن بلدي وحلويات وأباريق شاي وحليب وقهوة ومكسرات وثمار جافة …
يسود اعتقاد راسخ لدى الأهالي توارثته الأجيال وصار تقليدا أن الرجل الذي لا يضرب زوجته ( يسوطها بلغة دكالة ) ليس رجلا .. يضربون النساء ضربا مبرحا ويضمدون جراحهن بالحناء ملفوفات في خرق بيضاء كالكفن. ولا تبرح النسوة بسبب ذلك بيوت الزوجية إلا نادرا. وأنا أبحث عن بيت تكتريه بالدوار المعلمة ( ب. س ) أطلعنا رجل على بيت نظيف وسط حقل من التين الشوكي كسياج طبيعي يصعب اختراقه أو القفز فوقه. أثار انتباهي سقف ناصع البياض عليه آثار من بقع دم قان . سألت الرجل عن سبب وجود تلك البقع على السقف فقال:
( بهذا البيت يعيش زوجان وكان لهما إبن وحيد بار بهما ، شاب قوي البنية مفتول العضلات . ذات يوم وهو يعود من الحقول وعلى كتفه فأس سمع صراخ أمه وهي تستغيث فهرع إلى نجدتها. هاله منظر الأب وهو مستلق على أمه طريحة الأرض يضربها بعنف بإبزيم حزام جلدي. لم يتماسك ومن غيظه ورفقا بأمه هوى على رأس أبيه بالفأس حتى تطاير منه الدم كنافورة ولطخ السقف على النحو الذي تراه الآن.. أدخل الشاب السجن ودفن الأب وغادرت الأم المكلومة الدوار متأثرة بالحادث المأساوي والحزن على فلذة كبدها … )
في ليلة مقمرة سمعت طرقا على الباب. فتحته لأجد أمامي أمي حبيبة وعلى راسها قصعة كسكس من الخزف الطيني مغطاة بمنديل زاهي الألوان تقدمت أمامي وهي تعبر فناء الدار وهي ترق من الفرح . فجأة سقطت منها القصعة وتساقط الكسكس وتناثرت شظايا القصعة في المكان . لم تنتبه المرأة الى حبل يعبر الفناء لنشر الغسيل وهطول الأمطار يدوم طويلا ولا تظهر الشمس وسط الغيوم إلا نادرا مر بين رأسها والقصعة فهوت على الأرض ، والحال أن أمي حبيبة فارعة الطول . دأب بعض النسوة حمل الأشياء فوق رؤوسهن في توازن يبع على العجب. الخطأ منا لم ننزع الحبل أو ننبه المرأة الى وجوده لتنحني أو تنزل القصعة وتحملها بيديها . جلست أرضا تندب حظها وتنتحب من وقع الصدمة وتأسف للحادث. ضحكنا وخففنا على السيدة مصابها ومصابنا والقدر الذي حرمنا من عشاء دسم فأهل دكالة يجيدون صنع الكسكس ولا يبخلون عليه بما لذ من لحم وخضر وزبيب وبصل وحمص . من حظنا وحظها أنها لم تخبرنا سلفا برغبتها في إحضاره ولم نتكل عليها. الحق أننا أشفقنا على هذه السيدة التي ذهب مجهودها وتعبها هدرا، ولكن النية أبلغ من العمل. بقي الحادث موشوما في الذاكرة ، وبقيت أمي حبيبة حاضرة في الوجدان كإنسانة من منبت أصيل ونسب كريم شملتنا بالحدب والحنو وكأنها أم لنا مدة مقامنا بأرض دكالة .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.