حقيقة بيع النساء بإملشيل

boudran
تحقيق
آخر تحديث : الثلاثاء 30 سبتمبر 2014 - 5:33 مساءً
حقيقة بيع النساء بإملشيل

حقيقة بيع النساء بإملشيل

 

بقلم – مصطفى محني .
نشر عدد كبير من المواقع الإلكترونية نقلا عن يومية مغربية معروفة، يومه الخميس 25 شتنبر 2014 مقالا بعنوان: "يحدث في المغرب .. 100 درهم و"عتروس" لمن يريد الزواج". وتم تداوله على نطاق واسع مرفوقا بصورة لامرأتين بلباس محلي لا ترتديه سوى نساء قبيلة أيت احديدو المنزوية في قمم جبال الأطلس الكبير، في منطقة تعد قرية إملشيل عاصمتها ورمز شهرتها.

كل من يقرأ هذا المقال إلا ويصدم من حجم ما احتواه من كذب وافتراء وتشويه لثقافة وكرامة قبيلة بحجم قبيلة أيت احديدو. هذه القبيلة التي تعرضت لوابل من التهم القاسية والجارحة بدم بارد وبجرة قلم من شخص نكرة ومن جريدة كنا إلى عهد قريب ننظر إليها على أنها من الجرائد الوطنية ذات مصداقية. مقال لا يستحق الرد شكلا ومضمونا. لكننا ومن باب رد الاعتبار لمكون أصيل من مجتمعنا المغربي الغني بتنوعه وتعدد روافده، سنحاول تصحيح مجموعة من المغالطات الواردة في هذا المقال وفي مقالات وبرامج سابقة عبر وسائل إعلامية أخرى كثيرة.

فحظ قبيلة أيت احديدو ومنطقة إملشيل مع الإعلام الوطني والدولي لم يكن يوما جيدا. وقد اعتاد سكان هذه الربوع سماع الكثير من المغالطات وسوء الفهم الكبير الذي روج عن ثقافتهم وعاداتهم ومعيشتهم. فمنذ المحاولات الأولى للمستعمر الفرنسي الغاشم دخول هذه الجبال، وهو يروج عنها الشائعات والأكاذيب. لأنها ظلت تقاومه بشراسة قل نظيرها، إلى درجة أنها بقيت آخر منطقة، من المغرب، استطاع دخولها. ولم يدخلها حتى جمع لها أربع فيالق حربية. وتبقى معارك "أيت يعقوب" و"بادو" و"تازيزاوت" وغيرها، شاهدة على ذلك.

حتى بعد خروج المستعمر وبدايات الاستقلال، ظلت إملشيل تعاني من التهميش والإقصاء وسوء الفهم. حيث أن جل وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، الوطنية والأجنبية، التي زارت ولازالت تزور هذه المنطقة، لا تنقل عنها سوى تلك الصورة النمطية التي تم الترويج لها وترسيخها في ذهن الرأي العام على مدا عقود. صورة ترتبط بالخرافة والفلكلرة. وقليلون من نقلوا معانات المنطقة من التهميش والإقصاء وضعف البنيات التحتية ومشاكل انجراف التربة والفقر والأمية والمشاكل التي لا تنتهي في كل مناحي الحياة.

أخطاء فادحة في المقال (التحقيق)

عودة للمقال المذكور. فكاتبه، لم يكلف نفسه عناء التحقق مما كتب. وفيما يبدو انه ليس سوى هاوي صحافة، أو ربما لم يجد مهنة يمارسها فارتمى على الصحافة التي أصبحت مهنة لمن لا مهنة له. أو لديه غرضا في نفسه، وقد قضاه. فقد ذكر جملة من المغالطات والمتناقضات التي سألخص بعضا منها فيما يلي:

أولا، مضمون المقال يؤكد أن المنطقة المعنية هي إملشيل وقبائل أيت حديدو. لكنه بدأ بذكر "إملشيل الشرقية". وما لا يعرفه الكاتب هو أن إملشيل الشرقية (تسمية إدارية) يقطنها جزء من قبيلة أخرى تسمى قبيلة "أيت يحيى" وعلاقتها بإملشيل إدارية فقط. أما الاختلافات في العادات والتقاليد فهي واضحة. لكن الأدهى هو استمراره في العبث، عندما سيذكر أيضا مدينة زاوية الشيخ البعيدة جدا عن إملشيل ويعتبرها من قرى إملشيل. الشيء الذي يؤكد جهله التام بجغرافية المنطقة فما بالك بثقافتها.

ثانيا، لكي يزيد صاحبنا من الإثارة والتشويق في مقاله "الفضيحة"، تحدث أكثر من مرة عن تقديم "العتروس" أو العنزي كمهر للعروس. ومن يعرف الأمازيغ جيدا وأيت حديدو خصوصا، يعرف أن الهدية، مهرا كانت أو ذبيحة لطلب الصلح أو لإكرام الضيف لا تكون أبدا بالعنزي.

ثالثا، العروس في الثقافة الأمازيغية لا تحمل على كتف عريسها، يا كاتب المقال. وإنما تحمل في موكب مهيب مكرمة بلباسها الجميل والمتميز ومحاطة برفيقاتها ورفاقها من أهلها وبني عشيرتها. ولا تدخل بيت زوجها حتى يحتفل بها كل من حضر. وهل يغيب صغير أو كبير عن عرس أمازيغي؟؟

رابعا، أما الطامة الكبرى، والجملة التي يجب بسببها متابعة كاتب المقال والجريدة هي التي سأترك لكم التعليق عليها وهي التالية: "فالزواج في إملشليل لا يعني العلاقة التي يجتمع عليها رجل و امرأة لبناء أسرة على أسس قانونية و دينية و إنما هو لعب و لهو و جنس ثم طلاق."

كيف يعطي الكاتب لنفسه حق التعرض لأعراض وكرامة قبيلة تعتبر الشرف شيء مقدسا، يموت الناس في سبيله. ويشوه سمعة بناتها ونسائها بجرة قلم وبدون التدقيق في المعلومات التي وصلته والسؤال والبحث والتقصي في حقيقة الأمور. فقد يحدث حقا بعض ما ذكره. لكن أين بالضبط؟؟ وفي أية حقبة؟؟. وهل يصل ذلك إلى مستوى ظاهرة اجتماعية؟؟ وهل يستحق أن يلصق بكل ساكنة منطقة شاسعة وعريقة كمنطقة إملشيل.

من أراد أن يكتب عن استغلال النساء وبيعهن، فليكتب عن كباريهات وحانات وملاهي المدن الكبيرة وعن فيلاتها الفخمة وعن أبواب ثانوياتها وكلياتها. أيت حديدو لا يقومون سوى بتزويج أبنائهم وبناتهم في إطار شرع الله وقانون الدولة وعاداتهم وأعرافهم العريقة والمتجدرة. وليس ذنبهم أن ثقافتهم غريبة عن ثقافة بعض الكتاب ولا يستطيعون فهمها.

إملشيل… وسوء الفهم الكبير

السؤال الذي يطرحه عليك أغلبية المغاربة عندما يعلمون أنك إبن إملشيل، هو: "هل عندكم تباع النساء؟؟". ولكم أن تتصوروا حجم المرارة التي يحس بها كل من طُرح عليه هذا السؤال، خصوصا وهو يعلم أن الحقيقة مختلفة تماما عن ذلك. إنها الصورة النمطية التي رسخها الإعلام في ذهن كثير من المغاربة. ولعلكم تتذكرون الممثل المغربي المشهور "محمد الجم" عندما قال في إحدى مسرحياته أنه بإمكانه الذهاب إلى إملشيل واقتناء زوجة من هناك بثمن بخس. كما أن تسمية موسم "سوق عام" الذي اشتهرت به إملشيل ب"موسم الخطوبة" من طرف الإعلام الرسمي وربطه بخرافة إسمها قصة "إسلي وتسليت" لأهداف سياحية وفلكلورية وتبليدية، ساهم بشكل كبير في ترسيخ تلك الصورة النمطية عن الزواج بإملشيل.

كثيرون يأتون لهذا الموسم بحثا عن زوجات جميلات بأثمان رخيصة. إلا أن صدمتهم تكون قوية عندما يكتشفون أن هذا الموسم هو موسم لتجارة كل شيء ما عدا النساء. ففيه تباع الأكباش والأبقار والبغال والحمير والجمال وحتى الدجاج. وفيه يتبضع السكان كل ما يحتاجونه لقضاء سنة بيضاء بالثلج، سوداء من قساوة البرد وقلة الإمكانيات والعزلة وضعف البنى التحتية. فلا أثر إذا لمعارض النساء. وليس هناك خيام منصوبة لعدول جاهزون لكتابة العقود. لا شيء من هذا.

فمن أراد الزواج عليه أن يحترم عادات المنطقة التي لا تختلف كثيرا عن عادات الأمازيغ في كل بقاع العالم ولا تتناقض مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. بل قد أجزم وأقول، أن قبائل أيت احديدو هي أكثر من فهم وطبق مقاصد الشريعة الإسلامية في قضية الزواج. كيف ذلك؟

لتتزوج من إملشيل، عليك ما يلي:

لتتزوج من إملشيل، سواء كنت من أبنائها أو من خارجها، فعليك أولا أن تجد الفتاة التي تناسبك وتتعرف عليها وتقبل هي بك. وقبولها شرط أساسي. لأن المرأة الأمازيغية عموما والحديديوية خصوصا لا تٌرغم على الزواج، ولا تتزوج إلا بإرادتها التامة. لأنها ببساطة ليست عالة على أسرتها. بل تفتخر بها ولا تعتبرها شؤما، كما هو عند بعض الثقافات الأخرى. وحتى عندما تٌطلق المرأة فإنها تعود إلى بيت أبيها معززة مكرمة. فنساء أيت حديدو لا يتشردن أبدا. لأن العرف يعتبر الأب أو الأخ الذي لا يحتضن بنته أو أخته المطلقة خارجٌ عن نسق القبيلة وعن أعرافها، ويتعرض للعقوبة الشديدة من طرفها (القبيلة).

ثقافة قبائل الجنوب الشرقي للمغرب، وأيت حديدو بالخصوص، لم تكن يوما ثقافة ميوعة. لكنها كذلك ليست ثقافة كبت وزمت. بل أعطت هامشا واسعا من الحرية لأبنائها في الاختلاط والتعرف فيما بينهم في مناسبات عديدة كالأعراس والأعياد والأسواق والساحات المفتوحة. بشكل يمكن من التداخل بين الجنسين بدون الوقوع في الممارسات الغير شرعية وتحت مراقبة المجتمع. وهكذا، وعلى مر العصور، تََربَّى الأبناء والبنات على عدم الخوف من الآخر وعلى تقديره واحترامه. وبالتالي مكنت الشباب المقبلين على الزواج من فضاء مقنن يسهل عليهم عملية اختيار شركاء حياتهم المستقبليين.

سيصعب عليك وأنت أجنبي عن المنطقة الاستفادة من هذه الخدمة المهمة للتعرف على زوجتك المستقبلية. لأنك لم تتربى على مبادئها وستجدها غريبة وغير مفهومة. وستعتقد أن هذا الاختلاط غير مراقب وستحاول أن تستغله في غير محله، لأنه بالنسبة لك وحسب ثقافتك، فإنَّ تواجد الجنسين في مكان واحد وبهامش من الحرية فهو فرصة للممارسات الغير الشرعية. لأنك ببساطة تعاني من كبت تربيت عليه منذ الصِّغر، عكس أبناء وبنات هذه المنطقة.

عندما تجد عروسَك، فإنك تُرسل أهلك ليطلبوا يدها من أبيها أو من وليها. وليس عليك أن تحمل الورود والحلوى والهدايا الثمينة. فأنت تقصد قبيلة لا تعتبر بناتها سلعة ولا تقيِّمُهن بثمن. بل تقبل أبسط الهدايا كرمز للمحبة والتقدير من طرف الضيف. وإذا وافقت البنت وعائلتها، تُقرأ الفاتحة لطلب المباركة وليس لتوثيق الزواج. فقبائل أيت حديدو ومنذ الاستعمار وهي توثق زيجاتها بالعقد المكتوب. أما الحالات النادرة فهي استثناء وليست قاعدة.

المرأة الحديدوية والأمازيغية بصفة عامة، لا تطلب المهر الكبير. أما السبب فهو بسيط للغاية وفيه حكمة عظيمة. فالزواج عند الأمازيغ مقدس. لأنه سبب لاستمرار النسل وقوة القبيلة. لذلك فالأصل فيه التيسسير. بحيث لا يُطلب من الزوجِ تقديم المهر؛ وإنما يُلزَم بالتكفل التّام بزوجته. تلك المرأة التي تدخل بيته لا تحمل من بيت أبيها إبرةً. وحتى حفل العرس فقد كان يقام في بيت العريس على مدا 15 يوما. مع مرور الزمن وغلاء المعيشة وكثرة الضيوف بدأ يتقلص إلى سبعة أيام، ثم إلى ثلاث. أما الحفل عند العروس فكان ولا يزال ليلة واحدة. أي أن الزواج لا يكلف أهل العروس شيئا وحياتها مع زوجها كذلك. وفي المقابل فإن العريس لا يحمل همّ توفير المهر.

فالأمر إذا، اتفاق بين الطرفين؛ يُيسِّر فيه كل واحد على الآخر. مع الاحتفاظ برمزية المهر وليس بقيمته. عكس بعض الثقافات التي تفرض مهورا مبالغا فيها وفي نفس الوقت يلزَم أهل العروس بتجهيز بنتهم تجهيزا كاملا. فيما يشبه تنافسا في تعسير وتعقيد الزواج على الطرفين.

موسم الخطوبة الذي لا خطوبة فيه !!!!

موسم "سوق عام" أو "موسم سيدي احماد ألمغني" أو "موسم الخطوبة" أو "موسم إملشيل"، وكلها تسميات مختلفة لمناسبة واحدة، كان واحدا من تلك الفضاءات المفتوحة في وجه شباب المنطقة للتعرف فيما بينهم ولاختيار أزواجهم المستقبليين. إلا أن الخطبة والزواج لا يتمان في نفس الموسم، بل يتم ذلك طبقا للأعراف التي أشرتُ إليها سابقا. وعندما تكتمل شروط الزواج من طلب يد الفتاة من أهلها وقبولها وإعلان الزواج بحفلة تقام في بيت العروس تسمى "أَعْلّْمْ" أو "الحناء" يأتي الخطيبان للموسم الموالي لعقد القران، لا أقل ولا أكثر. والسبب أن قبائل أيت حديدو اختارت توثيق عقودها منذ عهد الاستعمار. أما العدول فلا يأتون إلى هذه المنطقة المعزولة سوى مرة واحدة في السنة، إبان الموسم.

أما بالنسبة للأعراس، فإنها تقام في القرى وليس بساحة الموسم كما يعتقد الكثيرون. وقد يقع ذلك قبل أو بعد عقد القران. لأن التوثيق بالنسبة لأيت حديدو لا يعدو أن يكون أمرا إداريا لا أكثر. أما الزواج الشرعي، وحتى بمقتضى الشريعة الإسلامية، فهو تام الأركان وصحيح عندما يتم طبقا لأعرافهم. في السنوات الأخيرة ومع توفر المسالك الطرقية ووسائل النقل، أصبحت الأغلبية الساحقة توثق عقود زواجها بمدينة الريش الأقرب (140 كلم). ولم يبق سوى بعض الفقراء أو من صادف زواجهم فترة الموسم، فيستغلون قدوم القاضي والعدول لتجنب مصاريف ومشاق التنقل.

وتبقى أسطورة "إسلي وتسليت" أكبر كذبة ألصقت بهذه القبيلة. فلا شيء مما يحكى صحيح. بل هي قصة مثل قصص كثيرة أخرى كانت الجدات تحكيها لأبنائها ليناموا ليلا. لكن ولتعزيز تلك الصورة النمطية المرتبطة بالزواج، تم التركيز في الإعلام على هذه الأسطورة دون غيرها. وتم تصويرها وكأنها قصة حقيقية أو على الأقل مسلمٌ بصحتها من طرف أبناء القبيلة. في حين أن لا أحد يعتقد بذلك. والكل يعلم أن الصراع بين قبيلتين من قبائل أيت احديدو كان واقعا حتى السبعينات من القرن الماضي. ومنعُ الزواج بين أبنائهم كان كذلك. لكن الجميع يعلم أيضا أن البحيرتين تسميان في الأمازيغية ب"إزلي وتزليت" وتقارب نطقها مع "إسلي وتسليت" الذي يعني "العروس والعريس" ليس سوى صدفة لا علاقة لها بخرافة الزواج.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.