شذرات فلسفية حول كورونا كوفيد19

lahcen boudran
2020-04-15T01:40:40+03:00
كتاب و اراء
IMG 20200415 WA0086 - ميدلت بريس - MideltPress

ميدلت بريس – نور الدين ايت المقدم

النظر إلى وجودنا من زاوية فلسفية حول مايجري هنا والآن في هذا العالم يقتضي النظر إليه من زاويتين:
الزاوية الأولى : وتتعلق بالصراع الاقتصادي والسياسي بين القوى الكبرى المحتكرة والمتحكمة في الاقتصاد العالمي؛ حيث انتقلت هذه القوى أو المعسكرات من الصراع المشخص بالجند والسلاح واستعراض لممتلكاته إلى صراع جديد غير مشخص؛ألا وهو الصراع نحو خلق جنود خفية لا مرئية بيولوجياً؛ وهي ما يطلق عليه بالحرب البيولوجية التي أغدت نوعا جديدا من الحرب للهيمنة والإسقاط والتحكم في الشعوب واقتصادياتها…إنها لعبة جديدة في الحرب الراهنة شبيهة بلعبة الشطرنج يسودها صمت تدبير نتائجها في الساحة مع التفكير في حساباتها ونتائجها ومآلها عقلياً…انها استراتيجيه تتخذ من المختبر البيولوجي قاعدة أساسية لحساباتها ومن الحقل الاجتماعي الدولي مقياساً لناجعة حسابات ذلك المختبر وما قد يجنيه من أرباح أو خسائر تعود بالفائدة أو بالخسارة على المنظومة الاقتصادية عالمياً ومحلياً
إن هذه الحرب الاقتصادية الجديدة التي تجتاح الجمع الدولي هي حرب بين قوى وقد أصبحت متوازنة ومتساوية عسكرياً _ الأسلحة النووية والقنابل العابرة للقارات،،،_ وقد أدركت ذلك واستوعبت كل الأطراف ذلك ، خصوصاً وأمام عدم تحمل الأيكلوجية لمزيد من الحروب النووية المدمرة لها كشرط للوجود البشري…
إن المرحلة الراهنة تعرف فيها كل القوى الاقتصادية الكبرى أن هذه الأرض التي نعيش عليها لن تتحمل الحرب بالسلاح الفتاك والآلي لأنه سيعجل بمصير الإنسانية وسيصبح الجميع خاسر. لن تنفع معه ورقة رابح ؛ خاسر؛ مدام الإنسان واقتصاده وسياسته مرتبطة بهذا العالم بل تشترطه، من هنا ضرورة البحث عن صراعات وحروب جديدة تقتل الإنسان نعم، لكن تحافظ على هذه الأرض كمصدر لثروة موعودة على الدوام ” البترول المعادن البحار…” وكشرط لسيادة الاقتصادي كإرادة قوة لدولة أو معسكر أو تحالف معين على أخر،
هذه الحرب الصامتة القائمة ليست وليدة اليوم بل إنها صيرورة لازمت تاريخ النظام الرأسمالي الحداثي وما عرفة من حربين علميتين خصوصاً مع ظهور الفكر الاشتراكي المعاند والمعاكس للاتجاه الرأسمالي السائد ؛ حيث انقسم العالم إلى معسكرين… وهذا التاريخ يعرفه عموم المثقفون… لكن الخفي في هذا التاريخ والذي لا بد أن ينكشف غطائه هو أنه يخفي ضغينة أو ثأراً أو كبتا في الذاكرة لدى دول دمرت وعذبت واضطهدت في الحرب العالمية الثانية من طرف الفريق الرأسمالي التي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية على غرار الفريق الاشتراكي الشيوعي… ونحن نعلم الفرق بين منطلق الفلسفتين: فالأولى تنطلق من مبدأ الحرية في السوق والاستقلالية في الملكية وبالتالي البرجماتية في المعاملة الاقتصادية…وكلها عكس مبادئ الفلسفة الاشتراكية التي تنطلق من مبدأ العدالة والمساواة والتضامن والتكافل الاجتماعي… هذه الفلسفة المكبوتة والتي ضن الجميع مع نهاية ثمانينات القرن الماضي أنها اضمحلت وانهزمت وانتصرت عليها قيم الفلسفة الرأسمالية بإعلان نهاية التاريخ وموت الإنسان…فماهي سوى ضن ووهم مرحلي يعود اليوم في حلة جديدة وبحسابات غير متوقعة عند العقلية الرأسمالية…لذلك نقول أنها عودة لمكبوت أو انفتاح لجرح وبداية لتصحيح الحسابات السابقة بين الفلسفتين؟ فهل هي فعلاً نهاية التاريخ وموت الإنسان ؟ أم أنها بداية لمنعطف وتاريخ جديد ؟
إن الدول التي برز اقتصادها بشكل فعال وناجع في مطلع القرن الحالي هي دول لم تأخد بشكلٍ أو بآخر المبدأ والقاعدة الكلية التي تشكل جوهر الفلسفة الرأسمالية، مما جعلها تشكل خطرا وتهديدا غير معلن على الاقتصاد الرأسمالي السائد والتي تمثل الولايات المتحدة الأمريكية أبرز تجلياته… والفريق الرأسمالي أدرك واستوعب الأمر وهو بذلك يحاول وعبر مستعمراته أن يسد الطريق أمام هذا الجيل الجديد من الاقتصاد الذي ولا يزال في طياته يتغذى اقتصادياً من مرجعيته الفلسفية الاشتراكية المنقحة مع بداية القرن الحالي لتغدو في ثوبٍ جديد… لذلك نقول أن الصين واليابان وكوريا… لم ولن تنسى الهزيمة والاضطهاد والرعب النووي الذي لحقها في مرحلة تاريخية ليست ببعيدة في أرضها…لذلك هاهي اليوم تعود للمواجهة بعدما استجمعت قواها وراجعت نقط الضعف وضاعفت قوتها في شتى المجلات الاقتصادية والعسكرية والمعرفية…بل ربما تجاوزت ما يمتلكه الفريق الرأسمالي من قوة عسكرية ونووية وتحالف ”بين و بين”…
تعود الصين كواجهة الآن وظاهرة للعالم اقتصادياً وتنظيمياً وتضامنا وهي بذلك مدعومة بدول أخرى من نفس التوجه سرا وليس علنا لأهداف لازال التاريخ سيكشفها مستقبلا…؟ وفي هذا الصدد لابد وأن أجازف وأقول بأن ألمانيا من الممكن أن تكون هي الحلف الأكبر لدول ذات الاقتصاد الجيل الجديد بعدما ستتحرر بشكل كلي من الرقابة الرأسمالية وتنفلت من دائرتها باعتبار ألمانيا هي الأخرى لم تنسى تاريخها وما فعله بها الجيران وتحالفهم
إذن بعدما أدرك كل طرف قوة الأخر عسكرياً واقتصاديا وبلغو مرحلة تنافسية قوية اقتصادياً أدت بالفريق الرأسمالي إلى السقوط في أزمة الركود المالي بدأ من سنة 2008 الشيء الذي عزز ودفع اقتصاد الفريق الجديد – اليابان ؛ الصين… – إلى الواجهة العالمية وهو نوع من الثقة في النفس وبداية لإعلان الحرب بوسائل غير حربية على الأخر ممثل الهائل الرأسمالي العالمي و بداية الاستقلالية في تبعيته وذلك نحو بناء إرادة قوة لكسب الرهان الاقتصادي والعلمي كبداية لإعادة الثأر بشكلٍ يسمح بسيادة المنسي وعودته كانفتاح لجرح في الذاكرة الرأسمالية
نقطة أخرى، وهي أن اليوم، كل القوى تعلم وتعي أن هناك اختلالات على مستوى الحقل الايكولوجي وكل القوى والتحالفات الدولية ” البين بين ” لديها ما يكفي لتدمير هذا العالم،أنها متساوية أمام السلاح… لكن الكل من جانبه الإستراتيجي يعلم أن هذه الورقة وما ستسفره من نتائج سلبية ستجعل الجميع خاسراً بل أنها ورقة تفتح أفول الإنسان واختفائه بالمرة، لذلك كانت الإستراتيجية الجديدة هي ابتكار حرب جديدة بوسائل فنية علمية ماكرة فكانت المختبرات البيولوجية ضالة ذلك… والفريق الجديد الصاعد اقتصاديا مستوعب ومدرك هكذا استراتيجيه وقادر على استيعاب استراتيجيات أخرى بمنأى عن الفريق الرأسمالي مدام أصبح يتحرك في الساحة الاقتصادية التي يتحرك فيها العملاق الرأسمالي وبرهن عن المنافسة ضده…؟
هكذا أصبحت الفيروسات سواء من صنع الإنسان أو بتطورها من تلقاء طبيعة ذاتها هي ورقة للصراع الحالي والمستقبلي مدام الغرض في الحرب العسكرية هي قتل الإنسان/ البشر وإضعاف الخصم وإخضاعه للطرف القوي والمنتصر…نفس الغرض أذن ستؤديه الحرب البيولوجية عبر أشكال متعددة ومختلفة وما فيروس اليوم إلا شكل من أشكال الفيروسات التي تطورت عن فيروس الأمس…فنجاعة الاقتتال الفيروسي هو أنه يحافظ على الشرط الاقتصادي ويدفع به إلا تغيير قطع غياره البالية التي لم تعد تقوم بدور الحركة لعجلته على الدوام، عكس الاقتتال الحربي المسلح بالقنابل والصواريخ… حيث ستؤدي حتما إلى إنهاء هذه اللعبة البشرية القذرة… التدمير الكلي لشروط وجودنا
بالنسبة للزاوية الثانية لهذا الذي يقع اليوم؛ يمكن النظر إليه فلسفياً من الزاوية السسيو-أنطلوجية، فهذه الحرب الجديدة كشفت لنا عن كثير من أوهام الإنسان وهي أوهام الحداثة المتجلية في وهم السيادة والقوة للإنسان على العالم! باعتبار الحداثة الغربية جعلت الإنسان سيداً على العالم أو ذاتا والعالم موضوعاً…وهي الفلسفة التي دشنها الفيلسوف الفرنسي” رينيه ديكارت” في القرن السابع عشر، هذه الفلسفة التي أنتقدها الكثير من الفلاسفة في المرحلة المعاصرة -” نقاد الحداثة ”، ونخص بالذكر هنا لا الحصر الفيلسوف الألماني المعاصر ” مارتن هايدكر 1889_1976 م ”، حيث كل متطلع لمقالاته وكتبه وخصوصاً المحاضرة التي ألقاها في 18 نونبر 1953 بالمدرسة العليا للتقنية ‘بميونخ الألمانية ‘؛ سيجد على أن انتقاده لماهية التقنية الحديثة ما هو إلا انتقاد للحداثة الغربية بعينها، بحيث يميز الرجل العصر الحديث بخمس سمات أساسية أبرزها هي: التقنية بماهية جوهر العلم الحديث، فهذه السمات الخامسة يفرد لها ”هايدغر” مكانة خاصة وكأنها تشكل لوحدها موضوع تحليلاته وانتقاداته للحداثة فكيف ذلك ؟ وما علاقته بما يجري هنا والآن؟
فمع انبثاق ثنائية الذات والموضوع التي بدأت مع ”ديكارت” وهي التحول أو المنعطف الخطير الذي برز مع العصر الحديث بحيث نصبت الحداثة الإنسان سيداً وذات مفكرة ” في=على” الكون والعالم كموضوع (للتفكير والاستغلال)، هذه العلاقة الجديدة كرست نسياناً للوجود الكوني والطبيعي والإنساني…فهذه العلاقة الحديثة في تعامل الإنسان مع العالم كبرت ونمت وتقوت في التاريخ الحديث عبر مجموعة من الثورات، أبرزها الثورة الصناعية الحديثة،،، والثورة التكنولوجية المعاصرة التي جعلت الإنسان ينحرف شيئاً ما عن وجوده الأصلي والطبيعي ليغدو حسب موقفنا وتحليلنا وتسميتنا بكونه ” كائن الوساطة ”، ومعنى ذلك أن الكائن البشري الراهن والحالي أصبح كائن تتوسطه التقنية ومنطقها في شتى مجالات وجوده المعيشي والانطلوجي والاجتماعي والاقتصادي…الخ فأصبحت هذه الوساطة التقنية والآلية المادية حاجباً وحاجزاً بينة وبين العالم الطبيعي الذي يعيش فيه ويحتضنه…ومنه تصبح التقنية حاملة لمشروع ميتافيزيقي لا بد من توضيحه، فكيف ذلك ؟
قلنا بأن الإنسان الحاضر هو كائن الوساطة؛ فهو بذلك وقع عليه تعديل لمس حتى شفرته الطبيعية، إذ لم يعد كائن طبيعي كما كان في الفلسفة السابقة، بل أصبح كائن ” التقنو -‘ال’-طبيعي ” بحيث أصبح الجنين منذ بدايات انبثاقه في الرحم تتوسطه التقنية الطبية، من أشعة وعقاقير…فتسيطر عليه منذ البداية، وتحول بينه وبين ذلك المحيط الطبيعي، فيتلاشى… ليترك مهمته لهذا الغريب الدخيل لينقدف المولود/الانسان الى هذا العالم فتحتضنه التقنية التي روضته من ذي قبل على قبول منطقها المغلف بمكر الرقي والرفاه والسعادة الموعودة في شكلها، والمزيفة في جوهرها، كل هذا على حساب السعادة الحقيقية والمفقودة إلى الأبد في العالم الطبيعي التي دمرته ميتافيزيقا التقنية،(الرحم نموذجاً لم يعد ذلك المجال الطبيعي للوجود الجنيني كما كان في السابق وليس ببعيد/ ولا ننكر نهايته بالمرة وانما هناك اختفاء تدريجي لهذا الوجود الطبيعي.
إن إنسان الوساطة وهو إنسان الحاضر كائن يعيش التعاسة بأقصى درجاتها، لأنه بكل بساطة قدس العقل التقني والاداتي والصناعي وفضلها عن شروطه الطبيعية كشرعية وهوية أصلية لوجوده ومعيشه، فهو بذلك يريد شرعنة غير المشرعن لذلك ثمة عذاب وجوده، ويزداد عذابه في ظل تمسكه بشروط تطور الرأسمالية العولمية…وواقع الحال اليوم وغداً ما هو إلا انكشاف للوهم الذي لازال يبنيه إنسان الوساطة ويعتقد فيه الصواب والحقيقة…لقد عرت كلمة ” كرونا كوفيد ١٩ ” حالة الإنسانية في العالم وحطمت الكثير من الأوهام والزيف المعلقة في ذاكرة الحداثة ؟؟ فصار خطاب الكونية من مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والخطابات المؤدلجة لاتجاهات دغمائية- وثوقية- برجماتية في… خطاب كان !؟ إننا بذلك في لحظة تستدعي من الإنسانية ضرورة مراجعة ذاتها، بل إننا في منعطف تاريخي يلح علينا ضرورة إعادة طرح مفهوم الإنسان والإنسانية؟ حتى ذلك الأبله والغبي ”المريض بحمى التحكم”، الذي يريد أن يحكم العالم من الضروري عليه أن يطرح ويعيد طرح أسئلته الغبية واللا-إنسانية في ذاته وفي ذاتية الإنسانية جمعاء…ليفهم حماقاته؟، لذلك نفهم اليوم على أن الخير في الإنسان وكأنه يمنح لنا فرصة أعادة التفكير فيه وفي مساره ضمن هذا المسار الوهمي في أرقى حضارة وعصرنه بلغها الإنسان .
أفهمتنا أيضاً جائحة كوفد 19 مدى نزعة الإنسان إلى حب البقاء دون إرادة الاعتراف بالفناء ومغادرة هذا العالم إلى المجهول بالرغم من وعيه بذلك ؟، فلماذا الاقتتال والمؤامرات الماكرة مدام الإنسان يدرك مسبقاً أنه سيفنى وينتهي بالرغم من إرادته؟ ومنه لابد من أعادت ترتيب العلاقة التي تحكم الإنسان بأخيه الإنسان في هذا العالم وذلك باستحضار تيمة الايكولوجية!،فالإنسان من هذا العالم وليس من خارجه…لذلك لابد وأن يعود إلى الأرض ويرعاها ويحتضنها ويعانقها..ففي الأرض الحياة والمعيش وليس في النظام الاستغلالي المستبد الذي انزاح وصنعه الإنسان وفرضه على أخيه الإنسان لأجل استغلال الإنسان لأخيه…؟ وبهذا الصدد نعود إلى الماركسية التي تذكرنا دوما بأن الرأسمالية نفسها كنظام ”حفارة قبرها ”!؟ فهل ساعتها قد بدأت تدق لإعلان جنازتها ؟
نحن هنا لا نمجد أو ننتصر لنظام أو أطروحات على أخرى، بقدر ما نحاول أن نفهم واقع الحال اليوم من زاوية فلسفية تاريخية، على أساس أن إشكال اليوم هو إشكال فلسفي لا بد للجميع الانخراط فيه لإيصال نداء فلسفي كوني يسجل لصالح التفكير الإنساني الراقي في التاريخ الفكري، عوض السكوت وفتح الباب لضجيج الأطروحات الأيديولوجية والإعلامية الزائفة والكاذبة التي تعمل لصالح أجندات معينة…فما يقع اليوم في الكون البشري من أزمة صحية أو حربية أو ،أو…هو إشكال خاص بالتفكير الفلسفي الصرف من الدرجة الأولى
إذن، على الأقل الفكر الاشتراكي-الشيوعي ينطلق من قاعدة ايديولجية عريضة تجعل من العدالة الاجتماعية أساس نظامها-وهذا بدون احتساب الرسوم في كيفية توجهه- في مقابل التوجه الرأسمالي الذي يعمل بأيديولوجية مغايرة تجد في المقولة التالية قاعدتها ” لأنتفع أنا، وليذهب الأخر إلى الجحيم ”،أي غياب الحق والعدالة وبروز حرية السوق، سوق المكر والخداع والتحالف لأجل استغلال هذا العقل لذاك…ومنه تعلمنا مع ” هايدجر ” خلف أسطر كتاباته أن الحداثة الرأسمالية همها هو، الاستغلال المفرط اللانهائي عبر استخراج طاقات من الطبيعة ثم تحويلها عبر التصنيع ثم تجميعها وتخزينها ثم توزيعها،،،إذن أليس الاستغلال ثم التحويل قد وصل ذروته وأوجه؟ فوقع فائض في الإنتاج والتخزين؟ ولابد من التفكير اقتصاديا-رأسمالياً في تصريف هذا التخزين عبر خلق مكر معين؟. أليس التحويل والتخزين الذي بلغ ذروته مع ظهور الآلة الحديثة كاف لعيش ما يزيد عن سبعة مليار إنسان في العالم بمختلف ثقافاتهم وأعراقهم؟ فلماذا هذه السياسة الاقتصادية التافهة التي لا ترى إلا إرادتها المتحالفة مع تجميع الرأسمال والسيادة الاستغلالية لشعوب المعمور؟؟
أليس إذن، الفايروس أو المناورة أو سحر الساحر الأبله، هو في حد ذاته ” سحر الساحر وقد انقلب على صاحبه ”؟. أم أن قوة جديدة وقد كانت حين إذن في الماضي القريب قد اضطهدت تريد اليوم أن ترد الثأر،؟ أو محاكمة المجرم الذي قذف القنابل النووية على شعوب أرادت أن تبني نظامها واستقلاليتها بعيداً عن توصيات وهيمنة هذا المجرم الدخيل بمنطق ” لأنتفع أنا وليذهب الآخرون إلى الجحيم ”!، إنه المجرم الذي لم يتعلم ولم يفكر يوماً في وحدة الحضارة والقيم الإنسانية الكونية… وقد حان موعد إدراكه ذلك !؟
سوسيولوجاً، لا بد وأن ننبه إلى أن عامة الناس ساذجة، وبسيطة في فهمها للأمور والقضايا فهي غالباً لا تدرك هذا الذي يحدث؛ فتنساق وراء الخطاب الإعلامي والسياسي والديني…فتتفاعل معه بمشاعرها وأحاسيسها…وهذه المسألة طبعاً تختلف حسب نسبة وعي الأفراد ضمن ثقافات الشعوب؛ دون أن يعني ذلك أنها لا تطرح سؤال الوجود والحياة كل حسب مناخه الفكري والثقافي كقلق إشكالي انطولوجي عند الإنسان أينما وجد؟
ما يحدث أيضاً بفضل هذا المسمى ”فيروس كوفد ١٩” أنه استطاع أن يهدم الأوهام التي بنتها شعوب دول العالم الثالث -في ترتيب المنطق الأقتصادوي الرأسمالي- حول دول الحداثة والتقدم وقيادة العالم إنه وهم رعاية الإنسان والتقدم والتنظيم…؟ أوهام لابد وأن تنهار أمام زيف صورة واقع الحال الذي يشهد على أن تلك الدولة قد أهملت في الآونة الأخيرة هي الأخرى قيمة الإنسان ولم تؤسسه بالشكل الكافي فاقتصرت فقط على إرثها الحداثوي الذي لا يناسب ومنطق العصر ونوعية أجياله الصاعدة…الشيء الذي أسقطها في أزمة اللحظة، وهي أزمة الإنسان تجاه الإنسان
سيفهم هؤلاء و أولئك أن ضرورة بناء الإنسان أخلاقياً وتربوياً ومعرفيا هو المسلك الوحيد لإعادة بناء وتعمير هذا العالم الذي يحتضر جراء الفعل الارتكاسي للإنسان الحداثي والحالي…ذلك الإنسان الذي سيستحضر الشرط الطبيعي-الاكلوجي باعتبار هذه الأرض أو العالم الذي نوجد فيه هو سيد الإنسانية جمعاء وليس العكس، كما ذهبت إلى ذلك مبادئ الحداثة، اعتبارا منا بأن الإنسان كأن طبيعي لا يمكن أن يوجد أو يتحقق وجوده حالياً إلا في أحضان هذا العالم الذي يقدم ويوفر شروط وجودنا بالمجان…! أليس بمقدورنا أن نحافظ عليها إذن. ؟ إن المجتمع البشري العالمي اليوم سيدرك التاريخ الإنساني الأصيل المنسي، بحيث ستعي الشعوب مدى أهمية الاهتمام بالحياة الوجودية في بعدها القيم: التسامح،والمحبة،والتواصل،والتعايش،والتضامن، وحسن الإنصات للآخر، كالهواء والماء والتربة والشجر والحيوان…والاهتمام بهم .
إن فيروسنا اليوم قد سلب الحياة المعتادة لأفراد مجتمعات العالم وجعل أغلبهم من: مسجوني الخوف العالمي، ذلك الخوف الإعلامي والسياسي والميتافيزيقي، الذي في الحقيقة أنه يخفي حقيقة ما ؟، حقيقة السجن عبر قوانين وقرارات سياسية ( أحيانا استبدادية ) نزلت على الرعية أو المواطن فجأة بعدما ألف اغلبهم وهم مشروعية القوانين التي تحكمهم، ومنه يكون خوف الدولة أكثر من خوف أفرادها، مما يبرر شرعية طرح أسئلة المؤامرة بين هذا وذاك؟؟؟ إن ما يقع اليوم ويشهد عليه واقع الحال، هو فرصة لإعادة بناء عالم الإنسانية الممزق، في إطار وحدة حضارية إنسانية تتجاوز عولمة الرأسمال المادي الضيق نحو عالم بشري يتعلم ويبني وجوده الأخلاقي الخير وفق قيم كانطية كونية
وفي الأخير إذن، لابد وأن ننتظر التاريخ ليقول كلمته حول ما يقع اليوم، لان ما يقع اليوم لا يمكن أن نحيط به من كل الجوانب؛ لأننا أمام ”بؤساء وبلهاء متحكمون في خيرات العالم ” وفي أية لحظة يمكن أن يغيروا توجه العالم؛ فحتى التوجه الاشتراكي-الشيوعي وان يظهر على حسن نواياه على الأقل في منطلقاته الفكرية والنظرية إلا أن الممارسة البراكسيسية تخضع لغاية أخرى في يد ذلك الكائن البشري وقد مات فيه المبدأ الإنساني ليصبح بذلك هذا الإنسان العرضي -وهم الأغلبية في هذا العالم- كائن شرير تحكمه نزعة الشر؛ ” الأنانية والمصلحة الخاصة وحب السيطرة…” لذلك فإنسانية العصر وإنسانية المستقبل(إن لم يعجل وجودها؟؟) لن تلقى إلا الشر ثم الشر مادامت إرادة الشر هي المستحوذة على جمالية العالم الإنساني…

تحية طيبة . أشكر جزيل الشكر الفريق الساهر على موقع ميدلت بريس. على العمل الاعلامي والثقافي والصحافي الجبار الذي تقومون به لاجل المنطقة على المستوى المحلي ثم الجهوي والوطني والدولي…كما لا يفوتني أن أشكركم على تفضلكم لنشر مقالتي المتواضعة ” واقع الحال، او شذرات فلسفية حول كرونا ” فمزيدا من التألق والعمل النبيل الذي تسيرون عليه منذ التأسيس…فمودتي وتحياتي الخالصة. ونتمنى أن لا يصيبكم أي مكروه في هذه المحنة الوبائية أنتم وذويكم. ( من الاستاذ ايت المقدم نورالدين .أستاذ الفلسفة. الى جنود الخفاء بموقع ميدلت بريس. وعلى يد الصديق والاخ مصطفى مشكور هو بدوره على أخلاقه وإنسانيته العالية فمودتي لكم جميعا )**