قراءة في السلوك العدواني الشامل لمعارضة الجهة ضد ساكنة الجهة : الخلفيات ..المآزق..والمآلات

lahcen boudran
مجتمع
FB IMG 1603118445605 - ميدلت بريس - MideltPress

ميدلت بريس – المقالة الأولى  الحبيب الشوباني /الإثنين 19 أكتوبر 2020》.
1. ●تقديم●
شكلت دورة أكتوبر2020 لمجلس جهة درعة تافيلالت لحظة تاريخية وتحولا تراجيديا في علاقة المعارضة بساكنة الجهة. فلا حديث يعلو في الجهة اليوم فوق الحديث عن خيانة المعارضة لأمانة تمثيل المواطنين في المجلس وبيع مصالحهم وحقوقهم في “مزاد علني” تابع الجمهور تفاصيله بشكل كامل . فالنقاش العمومي الواسع والعميق الذي يشغل بال الغالبية الساحقة من أبناء وبنات الجهة في مختلف فضاءات التواصل المباشر أو الرقمي ، سواء منهم من يقيم داخل ترابها أو خارجه، يؤكد وجود حالة من الصدمة والذهول الممزوجَيْنِ بغضب عارم ضد المعارضة ورموزها جراء رداءة أدائها وتصويتها الممنهج ضد جميع المشاريع التنموية المدرجة في الدورة، خارج أي منطق سياسي مسؤول يحترم الساكنة ومشاعرها وكرامتها، مع سبق إصرارٍ وترصدٍ مُعْلَنَيْنِ أدى (السبق) إلى تَكْبيدِ الساكنة واقتصادها وفرص الشغل بها خسارات مالية وتنموية تتجاوز قيمتها 2 مليار درهم ( 200 مليار سنتيم وفي ظروف جائحة كورونا) ، هي حصيلة الاعتمادات المرصودة في اتفاقيات الشراكة والميزانيات التي تضمنها جدول أعمال الدورة، والتي شملت بناء مئآت الكيلومترات من الطرق ، وإحداث “مدينة المهن والكفاءات” لصالح التكوين المهني لشباب الجهة، ودعم الجماعات الترابية والتعاونيات والفرق والأندية الرياضية، ودعم جهود مواجهة “كورونا” باقتناء سيارات الإسعاف وآليات أخرى لفائدة الجماعات الترابية ، وتجهيز المستشفيات بالمعدات الطبية، واقتناء المعدات التربوية/ البيداغوجية لدعم تمدرس الأطفال…إلخ.
إن هذا السلوك الذي يعتبر بحق، ” حالة عدوانية شاملة” مارسها 24 عضوا من المعارضة ضد ساكنة تقدر ب 1.6 مليون نسمة- ترقى إلى مستوى ” جريمة سياسية” ضد التنمية بالجهة – يستدعي وقفة تأمل ومحاسبة جماعية لمساءلة خلفياته، وكشف المآزق المتعددة التي ورط فيها نفسه كل من ساهم في هذه الجريمة ، واستبصار المآلات التي ستُفضي إليها هذه المسلكيات العدوانية غير المقبولة أخلاقيا وسياسيا وقانونيا ؛ كل ذلك من أجل تحمل الجميع مسؤولية تصحيح هذه المسارات الخاطئة في عمل المؤسسات المنتخبة ، بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ، وتحصين مصالح الساكنة حالا واستقبالا ضد الإفساد السياسي ، وحماية فرص تنمية الجهة من الهدر والاستهتار.
2.● أسئلة الخلفيات : ما هي الخلفيات التي حكمت سلوك المعارضة وحولتها إلى آلة عمياء لا تبصر مصالح ساكنة الجهة؟ ولماذا جعلت تصويتها عملية ميكانيكية خرقاء لا تصغي لصوت هدير الساكنة المطالبة بالحق في التنمية ؟●

من وجهة نظري، فإن الخلفية المركزية الموجهة لهذا السلوك العدواني وغير العقلاني ضد ساكنة جهة بأكملها، تجد أصولها في خمس خلفيات فرعية نبسطها كما يلي :
١- خلفية انعدام العلاقة التعاقدية المسؤولة بين المنتخب والناخب وعموم المواطنين : إن الناخبين وعموم المواطنين يشكلون في الديمقراطيات الناضجة سلطة اجتماعية معنوية تحرس ضمير المنتخب وتجعله يستشعر حق الساكنة في المحاسبة والمساءلة إذا أخل بواجبه في الدفاع عن مصالحهم وقصَّر في جلب المنافع التنموية لمجالهم الترابي. فالتصويت الممنهج ضد جميع فرص التنمية المبرمجة في الدورة، كشف انعدام أي علاقة تعاقدية مسؤولة بين المنتخب والناخب وعموم المواطنين من جهة، وكذا انعدام أي اعتبار أو تقدير لحقوق ساكنة الإقليم والجماعة التي ينتمي إليها كل عضو معارض، من جهة أخرى. وهذا الوضع يتحمل فيه المواطنون والمواطنات المسؤولية الكاملة ابتداء ( عند اختيار من يمثلهم في المؤسسات المنتخبة) ، ويتحمل فيه المنتخبون المسؤولية لاحقا (بعد الجلوس في مقاعد تمثيل الساكنة في هذه المؤسسات). فانعدام العلاقة التعاقدية القائمة على الشراكة والمسؤولية والمحاسبة مسؤولية مشتركة بين الناخبين والمنتخبين، كما أكدتها هذه النازلة غير المسبوقة في الاستهتار بالمسؤولية المجتمعية.
٢- خلفية انعدام الرابطة التنظيمية والتعاقدية بين الحزب والعضو المعارض لمصالح الساكنة: إن الهجوم الشامل والعدواني على مصالح ساكنة جهة بأكملها، قرار سياسي خطير من حيث تداعياتُه على صورة الحزب الذي ينتمي إليه كل من صوَّتَ ضد جدول أعمال الدورة بدون مداولات ولا اقتراحات نابعة من صميم انشغالات الساكنة. ولي اليقين أن الكتابات أو المنسقيات الجهوية للأحزاب الأربعة التي ضيَّعَ منتخبوها أمانتهم بمجلس الجهة ، وخانوا ثقة الساكنة في الدفاع عن مصالحهم في هذه الدورة التاريخية، لم تشرك أعضاءها ومُنتسبيها وأجهزتها المحلية والإقليمية ورؤساء الجماعات التي تسيرها في التداول وصناعة القرار بشكل ديمقراطي، قبل الإقدام على هذا القرار الانتحاري طبقا لما تمليه قوانينها الداخلية ؛ يدل على ذلك أيضا أنه لم تصدر عنها أي بلاغات أو بيانات توضح للرأي العام ( لا قبل الدورة ولا بعدها) موقفها من هذا التصويت الذي ستكون له كلفة سياسية باهضة في جميع جماعات الجهة بلا استثناء.
٣- خلفية الرهان على أجندة سياسية لا علاقة لها بالحزب ولا بالساكنة لاستدامة الحضور في المشهد السياسي : إن المنتخب الذي لا تربطه بالمواطنين علاقة احترام وتعاقد، ولا يكون مرتبطا بعلاقة تنظيمية مسؤولة ومؤسساتية مع الحزب الذي ترشح باسمه، يعيش حالة انعدام للوزن السياسي état d’apesanteur politique، تجعله في كل أوضاعه فاقدا لاستقلالية القرار وحرية المبادرة. وهذا الوضع عادة ما يتم استغلاله من طرف كل ذي مصلحة في عرقلة عمل المؤسسات المنتخبة واختراقها وتوظيفها لمصالح وحسابات لا علاقة لمصالح الساكنة بها. أما بداية هذا الانحراف، فتتم عبر نسج العلاقات الغامضة والمصلحية مع الأعضاء الشاردين سياسيا ( لا علاقة مع المواطن.. ولا علاقة مع الحزب !! ) ثم إدماجهم في ممارسات غير مسؤولة مجتمعيا ، مقابل جني بعض المنافع الشخصية أو تحقيق بعض المكاسب الظرفية. وقياسا على القاعدة المشهورة في “علم الإجرام ” ، والتي بموجبها يبدأ المحققون عملهم في البحث عن مدبري ومنفذي أي جريمة، من حق المجتمع أن يتساءل : من المستفيد من الجريمة ؟ .? à qui profit le crime . إن هذا السؤال مشروع في نازلة تصويت المعارضة ضد مصالح ساكنة الجهة، وسيكون من المفيد الاجتهاد في التعرف على كيفية وتفاصيل “صناعة معارضة تنشط ضد الساكنة” ، ومن المستفيد من توريطها في هذه الجريمة التنموية؟ مادامت هي الخاسر الأكبر، وما دامت الأحزاب التي ينتمي إليها معارضو الساكنة خاسرة كذلك بلا شك، ومادام هؤلاء الخاسرون شركاء في إنزال خسارة جسيمة بساكنة الجهة أيضا !
٤- خلفية الخلط بين تدبير الاختلاف مع (الأقلية المسيرة !) ، والوقوع في المواجهة المفتوحة مع عموم الساكنة : لقد كشف التصويت الكارثي للمعارضة على جميع نقط جدول الأعمال ذات القيمة التنموية العالية، عن عجز كبير في امتلاك الوعي السياسي المسؤول، ومهارات تدبير الاختلاف تحت سقف الحفاظ الدائم على المصلحة العامة وخدمة مصالح الساكنة واحترام ذكائها ومشاعرها. وقد زاد من تضخم هذا العطب في تدبير المعارضة لمواقفها ( أو تصريف مواقف المستفيد مما جَنَتْ به على نفسها !) ، اغترارها بامتلاك ( الأغلبية العددية !!). ومعلوم في السياسة أن الأغلبية العددية سلاح ذو حدين : إما أن ينفع صاحبه إذا حوله إلى قوة اقتراحية تخدم الساكنة، أو يَجْني عليه ويصْرَعُهُ إذا حوَّله إلى رقم يتلاعب به ضد مشاعر وحقوق المواطنين، ويجعل منه سدَّا حائلا بينهم وبين قضاء مصالحهم المشروعة. وهذا هو ما حصل بالضبط للمعارضة في مجلس الجهة !!. لقد قادها انعدام الجدية في التعاطي مع مسؤولية تمثيل المواطنين والمواطنات، وانعدام استقلالية القرار النابع ديمقراطيا من مؤسسات الحزب وأعضائه، إلى تسخير ” 24 صوتا معارضا ” لمواجهة مصالح “1.6 مليون نسمة”. وهنا وقعت الكارثة التي لم يشعر بها كثير من هؤلاء الأعضاء إلا بعد اختتام أشغال الدورة، واشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بكل تدوينات وردود الإدانة والتجريم لهذا التصويت المشؤوم الذي سيظل وشْما للقُبْح في ذاكرة انحطاط الممارسة السياسة في تاريخ جهة درعة تافيلالت.
٥- خلفية ضعف تقدير دور الثورة التواصلية الرقمية في الحكم السريع والمباشر على سلوك المنتخبين من طرف الرأي العام.
لقد كنت أستغرب وأنا أستمع لمداخلات أعضاء المعارضة منذ أول يوم من أيام الدورة، من القدرة الخارقة لمعارضي مصالح الساكنة على “احتقار ذكاء المواطنين والمواطنات” الذين كانوا يتابعون أشغال الدورة بالآلاف عبر تقنية البث المباشر. مبعث الاستغراب عندي هو أن التعبير عن ممارسات احتقار ذكاء المواطنين يتم بطرق جُنونية ! كانت البداية بإنتاج خطاب عنتريات فارغ وعدواني مُشَخْصَن ضد الرئيس لا علاقة له بهموم وانشغالات المواطنين، سرعان ما غاص في أوحال الكذب والتدليس تارة بادعاء أولوية بناء السدود بدل الطرق في جبال إقليم ميدلت ! وتارة بإعلان أن توسعة مستشفى زاكورة قد تم “إنجازها” ولا حاجة للساكنة بمال الجهة( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !!! ) ، وتارة أخرى بالاستخفاف بالفاعلين الرياضيين من خلال تضييع الوقت في الترافع لطلب تأجيل النقطة وإيجاد مخرج متوافق عليه لدعم الرياضة !!، مع “تَبْييتِ” موقفٍ مسبقٍ للتصويت ضد الميزانية التي رصدت فيها الاعتمادات !!…إلى غير ذلك من الممارسات التي كانت تنزل على معنويات الرأي العام المتلقي والمعني بهذه الملفات كالصواعق والصدمات. لقد كانت ” معارضة ساكنة الجهة” تعيش على وَهْمِ أنها ” ترسل الصواعق ” بتصويتها ضد جدول الأعمال للرئيس ومن معه ! والحقيقة أنها كانت تصْعقُ نفسها بشكل تراجيدي أمام آلاف المشاهدين الذين تابعوا تراجيديا الانتحار السياسي الجماعي للمعارضة لحظة بلحظة !!

إن هذه الخلفيات الفرعية المُتظافِرة، هي التي تحكمت بشكل مرضي وغير عقلاني في تَرْذيلِ سلوك المعارضة ، وورَّطتها في ممارسة عدوانٍ شاملٍ على مصالح ساكنة الجهة ، دون أن تدرك أن هذه الساكنة كانت تتابع فصول هذا العدوان في أدق تفاصيله، وأن المآزق التي أنتجها هذا المشهد السُّريالي آخذة في التفاعل على أكثر من صعيد.
( يتبع)