الحريات الفردية بين مطرقة الواقع وسندان القانون

lahcen boudran
مجتمع
received 2463169673988997 - ميدلت بريس - MideltPress
ميدلت بريس – بقلم علي باصدق

سال مداد كثير حول الحريات الفردية حيث طرحت في الايام القليلة الماضية في بلادنا العديد من قضايا الحريات الفردية ، وطرح نقاش على المستوى القانوني يثير تساؤل الحماية القانونية للحريات الفردية ، أين تبدأ هذه الحماية وأين تنتهي ؟ بل لقد وصل بعضها إلى ردهات المحاكم على شاكلة حرية الرأي والتعبير وحرية الحياة الخاصة وحرية التصرف في الجسد ….إلخ ، هذه الحريات التي من المفترض أنها منظمة ومحمية بواسطة الدستور والتشريع داخل الدولة والذي يتدعم بالتزاماتها الدولية في مجال الحريات العامة وحقوق الانسان ، .فالمسألة لا تتعلق بنقاش مجتمعي داخل المغرب فقط ، وإنما تمتد تداعياته لتصل إلى المجتمع الدولي ، مما يحتم على بلادنا تقديم إجابات مقنعة عن النقاشات ذات الصلة بالحريات الفردية .
وللإشارة فإن المغرب لم يعرف تطورا على مستوى التنصيص على الحقوق والحريات ، إلا مع دستوري 1992 و1996 ، لتأتي محطة دستور 2011 لتجسد طفرة نوعية في تاريخ التطور الدستوري للحقوق والحريات بتخصيص باب منفرد للحقوق والحريات الأساسية (من الفصل 19 إلى 40 ) إلى حد أن هناك من أطلق على هذا الدستور ” دستور الحقوق والحريات ” وعلى النقيض من ذلك هناك من يرى أن هذا الدستور لم يذهب بعيدا في إقرار الحماية الدستورية للحريات الفردية وأساسا الحريات الدينية مما ضاع على المغرب حسب هذا الموقف فرصة تاريخية في وضع منظومة حريات وحقوق متكاملة .
في ظل هذا التقاطب والتجاذب في المواقف والاتجاهات ، طفت على السطح مناقشة تعديل مقتضيات القانون الجنائي من خلال وقائع وأحداث ذات صلة بالحرية في اللباس وفي إقامة علاقات جنسية إرادية خارج مؤسسة الزواج وحرية الاعتقاد … إلخ ، وانتقل النقاش الحقوقي والقانوني صوب النصوص القانونية المؤطرة للحريات ، وصدحت أصوات تنادي بضرورة تطوير التشريع في اتجاه حماية أكثر للحريات الفردية تماشيا مع التحولات القيمية التي يشهدها المجتمع المغربي ، وهي الأصوات التي يمثلها الاتجاه الحقوقي والذي يطلق على نفسه ” التيار الحداثي ” والذي ينطلق من المرجعية الدولية لحقوق الانسان .
وفي مقابل التيار الحداثي يوجد ” التيار المحافظ” والذي يرفض هذه الحريات “المستجدة “التي هي خارج سياق الواقع المجتمعي ، والذي لديه ضوابط معينة لا يجوز الخروج عن إطارها ، وينطلق هذا الاتجاه من مسألة الخصوصية الوطنية وأساسا الخصوصية الدينية والثقافية وطرحه الرافض للحريات الفردية بمفهومه الغربي .
إن مناقشة مسألة الحريات الفردية وحقوق الانسان ، تقود بالضرورة إلى مناقشة قضية مرجعية الدولة التي تنطلق منها في وضع القوانين والتي تحكم المجتمع ، وهي التي من المفترض أن تكون محددة في أسمى قانون الدولة والمتمثل في الدستور . فالدستور المغربي يعتمد المرجعية الدينية كمنطلق وأساس الدولة ، “المملكة المغربية دولة إسلامية” وفي نفس الآن يعتمد كذلك على المرجعية الدولية ، ويعلن تعهده بما تقتضيه مواثيق المنظمات الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات ، ويؤكد تشبثه بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا .
قد يعتبر البعض أن المسألة ليس فيها أي تناقض ، فالمرجعيتين المذكورتين ليستا بالضرورة متناقضتين بل متكاملتين ، ويمكن أن تتعايشا دون أن يطرح أي إشكال . لكن المسألة في عمقها لا تبدو بهذه البساطة ، باعتبار المرجعية الدولية لحقوق الانسان مرجعية حقوقية وضعية ، قابلة للتغيير والتبديل والتعديل للأحسن أو للأسوأ ، وهو ما لا يمكن قوله بالنسبة للمرجعية الدينية عموما .
إن الدستور ومعه القوانين لا تجيب بشكل قطعي على سؤال الحريات الفردية ، والكلمة الأخيرة في نظرنا وفي ظل هذا الوضع تبقى للقضاء الموكول له تطبيق القوانين ، والتطبيق يستلزم التأويل والتفسير والتكييف ، وهي العمليات التي يتولاها القضاء عند النظر في النوازل التي تعرض عليه . وهكذا فإن القضاء الذي تبقى له الكلمة الأخيرة ، سيجد نفسه أمام ترسانة قانونية لا تجيب عن سؤال الحريات الفردية ، أو تجيبه فعلا في اتجاه ترفضه بعض مكونات المجتمع وعلى الخصوص الأوساط الحقوقية منها ، بالإضافة إلى استحضار فكرة هامش الاجتهاد الذي يبقى للقاضي ، فالوضع الراهن يستدعي التوفر على قضاة قادرين على الاجابة عن الاشكاليات التي تطرحها قضايا الحريات التي تعرض عليهم ، مع ما يتطلب ذلك من إلمام كبير للقاضي بالتشريعات الداخلية والدولية والتحولات المجتمعية وتتبعه باستمرار للنقاشات الفكرية والإيديولوجية لمواضيع الحريات .
التساؤل المطروح : هل التوسع في إعطاء هوامش أكبر للحريات الفردية يهدد هوية المجتمع المغربي ويهدد بتفكيك عناصر بقائه ؟
في اعتقادي أرى أنه للوصول إلى قبول غير متشنج من كلا التيارين لقضايا تهم الحريات الفردية بالمغرب، لا بد من إعادة النظر في مصوغات أحكام الطرفين والاحتكام إلى قواعد قانونية وسوسيو اقتصادية وثقافية تتحكم في تطور الذهنية، حتى لا يصبح هذا المجال عرضة لنقاش مناسباتي أو ركوبا لأغراض سياسية وإيديولوجية تفرغ الحقوق الأساسية من جوهرها وتعرقل مسار تطور المجتمع .