القيامة و البعث بين الخضوع و الممانعة ، أسئلة في محراب المختبر ..

lahcen boudran
كتاب و اراء
FB IMG 1608591967395 - ميدلت بريس - MideltPress

ميدلت بريس – سعيد ألعنزي تاشفين

ساهم الفكر البيوتيقي في نحت الكثير من المفاهيم الجديدة ، فإلى جانب المفهوم المركزي و هو البيوتيقا عينه ، نجد عدة مفاهم دقيقة مثل مفهوم البيو/ قانون ( Bio droit ) و هو ما يعرف بالفكر القانوني الخاص بقضايا الطب و البيولوجيا و الصحة ، و مفهوم العلم التقني ( Techno science ) ، علاوة على عدة مفاهم أخلاقية مثل مفهوم الحق و الواجب و المسؤولية و التضامن و الواجب المهني ؛ كعلاقة الطبيب بالمريض ، و مفهوم الموت الرحيم و الإنجاب الإصطناعي و حق المرأة في الأمومة من خلال شرعية بنك البويضات و تحسين النسل .. و نجد مفهوم حقوق الإنسان من أهم المفاهم المهيكلة للفهم من موقع الأسئلة المركبة ذات الوقع الكبير على ساحة النحت المفاهيمي الراهن ، لا من مدخل أيديولوجيا حقوق الإنسان بل باعتبار هذا المفهوم يكتسي طابعا علميا و تاريخيا لكونه ولد من رحم النضال البورجوازي الإصلاحي ضد العنف المقدس الذي كانت ترعاه السلطة التيوقراطية بنفحة كاثوليكية طيلة العصر الوسيط . و تبدو مشاق الفهم جلية خاصة في مجالات الطب و الصيدلة و التمريض و البيولوجيا و الهوية الجينية و الخصوصيات الوراثية بمقاس قدسية الحياة الأدمية التي أضحت تخضع لرهانات السلطة العلمية التي تنطلق من المختبر لتؤصِّل ل ” حقائق ” طبية جديدة وفق المتاح سلفا من أجندة تفرزها دهاليز السلطة وفق براديغم أكبر يجعل كل ” الحقائق ” خاضعة لتسلط العقل الإستراتيجي منذ التسويق للنظام العالمي الجديد عبر وهم السلم و الأمن الدوليين الذي دمر العراق بمبرر أسلحة الدمار الشامل و انتهى بإعدام الرئيس الشرعي صدام حسين فجر العيد الإبراهيمي الذي يجمع الديانات السماوية الثلات و هو مؤشر يؤكد أن الحقيقة التيولوجية ملزَمة بالخضوع لرهانات العقل الإستراتيجي العملي . و أعتبر أن ميشل فوكو كان أكثر دقة ، مقارنة بغيره ، في تشريح مفهوم الحقيقة كوهم جديد مُناط بالشرعية الإيديو – سياسية بما يطفي عليه طابع التطبيع لينتهي حقيقة غير قابلة للتفنيد لصالح خلفيات التخطيط في غسق الليل الرأسمالي المتسخ بدسائس الضباع الكبار .

فهل ، على قاعدة الفكر البيوتيقي ، يجب تشكيل اللجان الأخلاقية التي تؤصل للأخلاق كقيم فلسفية لا كثوابت دينية ، سيما في خضم ما أصبح يوجه العالم من ” حقائق ” مختبرولوجية تنطلق من تقدير العلم و السلطة للخلية مرورا بالحق في الحياة لصالح شرعنة التلقيح ، كحقيقة علمية و كمحصِّلة للتأويل ، على نقيض من يشكك في نوايا سلطة المختبرولوجيا لصالح الحياة و حقوق البشر . أم ترى السؤال لا يُجتث من نظيمة كيف يمكن تحديد الفواصل بين الأخلاق و القيم ، بين المقدس الجامد و المدنس المتحرك الذي يتطور تحت ضربات التراكم الناتج عن تحسن الإنسان كمخلوق مزدوج بيو – ثقافي ، و بين Morale و Ethique ، مع ما ينتج عن هذا من اعتماد موجه لعلم الأخلاق لا لفلسفة الأخلاق . و ما هي ، في هذا السياق ، محددات الثورة البيوتيقية التي حبلت بها الألفية الثالتة ، على قاعدة نمط العقلانية الإنتهازية الموازية للتقدم التقني و التي لا تنفلت عن متطلبات اقتصاد السوق الذي حول الإنسان إلى رقم بخس في معادلة الرأسمال الذي نصّب الربح إلاها لا شريك له في عالم يقدس الحقيقة المختبربة في محراب السلطة ، أم هل نجح فعلا الحاصل من رعب مختبرولوجي في دفن التأمل المعياري للفلسفة التي عجزت عن مواكبة دينامية العقل التقني العملي ، و هو يا يعيد الروح لملاحظة ماركس القديمة / الجديدة بخصوص كون الفلاسفة يحاولون فقط فهم العالم و لا يحاولون تغييره حتى أن الفيلسوف تحول إلى تاجر وهم بعدما تنكرت له ” الحقيقة العلمية ” و جعلته مثار سخرية باسم رجحان العلم و تفوق المختبر . و عليه يبدو أننا نحتاج إلى ولوج قارة التاريخ على أشلاء معيارية الفلسفة بأسلحة المختبرولوجيا المشبوهة و هو ما يسلعن البشر و يحولهم إلى أرقام في حضيرة السياقات الرأسمالية المؤدلجة بعنف المختبر ..

ألا يجوز الإعتراف أن مفهوم الأخلاق خرج من دائرة ضمائر الأفراد و الجماعات إلى دائرة المؤسسات المختصة في إنتاج ” المنطق ” و القيم على مقاس الربح و أركان الإيمان به و وفق ” التعاقدات ” و قوالب التسلط المختبرولوجي على شظايا ما بقي من مُثل عليا زُهدية من بين مسام العقائد الدينية و اللاهوتية و خطابات الإيمان و المقاربات الأخلاقية التي تهاوت تحت قذائف المختبر و البيوتيقا ؟

هل انتهى زمن الطوباويات و الفلسفات النظرية و عموم اليوتوبيات الأخلاقوية المنشودة ، نحو الإنزياح إلى واقعية العقل العِلمي العملي الخاضع لسلطة السلطة و لعنف العنف المؤسساتي المُنتج للقناعات وفق وهم التفوق و حسب موازن القوة بين توازنات الضباع الكبار الذين يحكمون العالم و ينتجون ” الحقائق ” على مقاس الربح وفق هوس الرأسمالية المتوحشة التي لا تقبل التطبيع مع الشك الميتودولوجي كمدخل لزعزعة الثوابت المسيئة للحق في طرح الأسئلة الكبرى التي تبحث عن فرص للإنفلاث من بؤس القوالب .

لعمري لقد كان ” ألان باديو ” دقيقا عندما فكك أطروحة نهاية الفلسفة التي لم تعد قادرة على تنظيم نفسها كوعد ، حيث أضحت تشعر بضعف تأثيرها ؛ فلا هي قادرة على تغيير العالم كما تفعل السياسة تحت وقع برغماتية المصالح ، و لا هي تنتج وصفات تحصِّن الصمود و الوقاية كما تفعل العلوم ، و لا هي تجمع الناس كما يفعل الفن ، و لا هي ناجحة في ضبط المهمة النقدية اتجاه الراهن و تناقضاته و مفارقاته ، و لا هي تؤهل الذوات لقراءة التحولات العالمية بحس تاريخي نقدي بعيدا عن رعب القيامة من مدخل أجرأة المثَل الزُّهدي الأعلى !!

يبدو لي إن الطفرة البيوتيقية و التسلط المختبرولوجي حقق نجاحا عجيبا في تمزيق مكشوف للرِّباطات التقليدية التي تقاوم العولمة الرأسمالية المتوحشة من باب ردود الفعل الرومانسية الثورية و النزعات الأخلاقوية المتزمتة بخلفيات انفعالية منهزمة أصلا . إننا ، على نقيض التسويق البيوتيقي للقيامة ، في حاجة إلى معانقة ماهية الحكمة الخالدة كما سماها إيمانويل كانط ، أو لنقل حكمة عالمية تنتفض و تثور ضد دسائس المختبر الذي يَرهن الحق في الحياة بين مافيات المتاجرة بالإنسان في سوق النهايات ؛ حتى أن التسويق لمقولة النهايات كان منذ ثمانينيات القرن الماضي عبر ماركوتينغ خطير مؤطر ببروباغوندا دولية من منطلق فكرة ” نهاية التاريخ ” التي جمعت تعسفا بين فهم فرنسيس فوكوياما للتاريخ و تصور نيتشه للإنسان الأخير ضمن هوسه إلى استنزال ” السوبيرمان ” / الإنسان الأعلى القادر على الثورة على المُثل الملازمة لأخلاق العبيد ، دون أن يعلم نيتشه أن فوكوياما سيوظف فكرة الإنسان الأخير للتسويق لانتصار الرأسمالية على كل النظم و الأيديولوجيات إيذانا بولادة أمركة العالم على أنقاض النظام العالمي القديم ، و ما ميتولوجيات النهايات سوى تجل للحرب الإعلامية المؤلهة بالربح كما هو شأن نهاية التاريخ ، نهاية الفلسفة ، نهاية الأيديولوجيا ، نهاية القطبية الثنائية ، نهاية الدين ، نهاية الإشتراكية .. و غيرها من متلازمات حرب الدعاية .

فهل ينجح الفلاسفة ( فلسفة القيم ) و نشطاء حقوق الإنسان ( من مدخل علم حقوق الإنسان و الحق في التفاوض لصالح تجويد الوجود ) في تحريض الهمم لترميم مناعة القطيع للوقوف بثبات ضد الماكينة الدولية المنتجة للرعب و للقيامة تعبيدا للطريق السيّار المؤهِّل لمرور السلطة نحو مدارك أخرى في بوثقة العولمة الرأسمالية المتوحشة التي تنتج الفوبيا و تسوق للمخاوف التي تولد من رحم المختبرولوجيا و تنمِّط سيكولوجيات القطيع للإندماج في قوالب الباطولوجيات المؤسساتية دون أدنى سماح بإعادة بعث الروح في رني ديكارت كأول من قعد للحق في الشك المنهجي كمدخل لبلوغ الحقيقة من داخل الكوجيطو ، و كأننا نحتاج إلى كوجيطو جديدة تخلخل دعائم البيوتيقا .

في انتظار الجواب ، حريّ التسلح بما يكفي من حذر ابيستيمولوجي مطلوب لوقاية العقل من تسلط الرعب المؤدلج الذي تشرعنه البيوتيقا المسنودة بأيديولوجيا التفوق و العلم المسلح بأجندات الربح و الخطابات الأخلاقوية التي تمتح من المقدس المتعالي المتواطئ من حيث لا يدري مع خطاب النهايات الذي ليس سوى تمهيدا للمقدمات من منطلق اقتسام المجال الحيوي عبر إخضاع الفضاء العمومي المادي و الرمزي للفوبيا و للرعب بما يضمن سلطة الإخضاع خدمة لأجندة الصعالك الجدد .

و ختاما قد يكون التلقيح كمخرجات المختبر لطي الصفحة و لمسح الطاولة مهمّا في تسويق الرعب استعداد لصفحة جديدة سيكتبها المختبر بمداد العقل الإستراتيجي من دون شك ، و إن كان اليقين هو أننا كقطيع نحتاج إلى تلقيح العقل الفردي و الجمعي بما يليق من شك منهجي بحثا عن تدقيق النظر و لمحاصرة ترانيم الحقيقة كما يريدها المختبر تحت مبررات العلم ضمن نسقية براديغم السلطة كما تتجلى في زمن التحكم المعولِم للحقيقة على مقاس الرأسمال ، و نحن هنا لا نشكك في النوايا لكننا نؤمن بالحق في عرض الأسئلة من بوثقة الشك المنهجي صونا للعقل المنفلت عن سياجات تحكم العلمية la scientificité .